الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • التلوث الجيني في طعامنا.. زحف غير مردود

    وجدي سواحل

    25/03/14

نقاط للقراءة السريعة

  • المحاصيل والأغذية والأعلاف المعدلة وراثيا تدلف إلى دول عربية عديدة

  • غياب مريب للتدابير التي توقف زحف التلوث الجيني

  • مطالبة بوضع قانون يقي العرب شر التلوث الجيني، وحمايته من التدخلات الأجنبية

وجدي سواحل يبحث في طرق إيقافه، وسبل المواجهة قبل دخوله لبلدان المنطقة، أو بعد اكتشافه وهو داخلها  
 
تواتر اكتشاف محاصيل وأغذية وأعلاف معدلة وراثيًّا في الشحنات الغذائية الواردة إلى دول عربية عديدة. يعني هذا أن طعامًا نطعَمُه، وعلفًا نعلِف به ثروتنا الحيوانية ملوَّثٌ جينيًّا.

والتلوث الجيني يكون بخلط المحاصيل الغذائية الأساسية الطبيعية مع مواد اختبارية أو محاصيل معدلة جينيًّا. وهو خلطٌ مثيرٌ للقلق.

”الآثار الصحية للتلوث الجيني ليست مفهومة تمامًا على المدى البعيد، لكن بعض المحاصيل المعدلة وراثيًّا تحتوي على بقايا مبيدات حشرية، وأخرى تنتج سمومًا لقتل الآفات“، كما تقول لشبكة SciDev.Net هيلين والاس، المدير التنفيذي لمجموعة GeneWatch بالمملكة المتحدة المهتمة بالشأن ذاته.

التلوث الجيني يكون بخلط المحاصيل الغذائية الأساسية الطبيعية مع مواد اختبارية أو محاصيل معدلة جينيًّا
يُمكن الكشف عن المواد الدخيلة إما بتحديد هوية المادة المعدلة وراثيًّا وكميتها باستخدام تقنيات مخبرية معقدة للتعرّف على العنصر الجيني المُضاف، أو من خلال تحليل الكشف عن البروتين الناتج عن هذا التعديل الوراثي.

لكن إلى أيِّ مدى وصل زحف التلوث الجيني على المنطقة؟ سؤالٌ يبدو أن أحدًا غير قادر على الإجابة عليه، أو لا يوجد أصلاً مَن يجيب.

ففي لبنان عندما أُجري أول فحص وراثي شامل، استمر خمسة عشر شهرًا (ديسمبر 2009 –مارس 2011)، واختُبرت فيه عينات من شحنات أعلاف فول صويا مستوردة، بلغ عددها 48 شحنة، تبين أن جميعها يحتوي على نسبة عالية من الجينات المعدلة وراثيًّا. [1]

ثم ”في بلد مثل السعودية، يستورد 80-90% من مواد العلف من أمريكا وغيرها، أيُتوقع وجود أعلاف معدلة وراثيًّا في سوق العلف أم لا؟“.. سؤال تقريري يطرحه الباحث المصري رأفت السنهوتي -أستاذ علوم الأغذية والتغذية البشرية بجامعة القصيم في المملكة.

ثمة أسئلة أخرى تتعلق بالتَّلوُّث الجيني؛ بعضها قد تجد له جوابًا، مثل: ما العمل حيال هذا الزحف؟ وما سبل إيقافه قبل دخوله بلدان المنطقة؟ أو بعد اكتشافه وهو داخلها؟
 
على أرفف الحوانيت

قبل الخوض في هذا، نلقي إطلالة على سجل رصد التلوث الجيني، الذي يوثق لحالات تلوث نجمت عن إطلاق متعمد أو عرضي للكائنات المعدلة وراثيًّا، بالإضافة لبعض الدراسات العلمية المنشورة؛ إذ رصدا حالات دخول شحنات غذائية مستوردة إلى أسواق دول عربية ومتاجرها. [2]

ففي أواخر عام 2000، دوت عاليًا في أمريكا فضيحة اكتشاف تلوُّثِ نِسَبٍ ذات بال من ذرة معدة للاستهلاك الآدمي بأخرى من سلالة ’ستار لينك‘؛ محظورٌ استخدامها للاستهلاك الآدمي في أمريكا منذ عشر سنوات، ومقصورٌ على علف الحيوان.

بعدها بسنة، عُثر على كميات لافتة من هذه الذرة الخطيرة في الأسواق المصرية، استُوردت من أمريكا والأرجنتين، وفق دراسة نشرت عام 2004م. [3]

ومن عدة مناطق بالسعودية، جمع باحثون 200 عينة من منتجات غذائية مستوردة إلى المملكة، وأجروا عليها دراسة -شارك فيها السنهوتي- نشروا نتائجها بعدد أكتوبر 2013 من مجلة ’الكيمياء الحيوية والتكنولوجيا الحيوية التطبيقية‘؛ إذ ذكرت أنه بعد فحص العينات التي جمعت بين عامي 2009 و2010، اكتُشف تلوث الأرز والصويا والذرة بمكونات معدلة وراثيًّا نسبتها أكبر من المسموح بها دوليًّا. [4]

وتبين أن هذه الذرة المعدلة وراثيًّا من سلالة ’ستار لينك‘!

وقبل ذلك ذكر بيان من منظمة السلام الأخضر صدر أكتوبر 2006، أن آثارًا من أرز مهندَس وراثيًّا من نوع (LL601) طويل الحبة؛ المحظور إنتاجه، اكتُشفت في 80% من عينات أرز مأخوذة من الكويت والإمارات وقطر، كانت قد اختُبرت في معملٍ مستقلّ. [5]

بعدها بعام، أعلنت المنظمة عن رصدها تلوثًا واسع النطاق في المتاجر الكبرى بمنطقة الخليج؛ فمن بين 35 منتجًا أمريكيًّا معروضة بمتاجر ومراكز كبرى في الكويت والإمارات وقطر، تبين أن 14 منتجًا منها ملوَّثٌ بكائناتٍ معدَّلة جينيًّا، ولا تشير عبواتها إلى اشتمالها على مكونات مهندسة جينيًّا. [6]

كما قد أظهرت دراسة أجريت في سوريا عام 2010 وجود مواد معدلة وراثيًّا في 5 عينات (من أصل 6) من كسبة فول الصويا المستوردة إلى البلاد، كما بينت أن 3 من أصل 16 عينة ذرة مستوردة احتوت على مواد معدلة وراثيًّا. [7]
 
تشريعات غائبة واتفاقيات معطلة

الحالات المذكورة أعلاه غيضٌ مكتشف من فيضٍ خفيّ، أو مغضوض عنه البصر. وموقف الجهات الحكومية غامض، فقد تواصلت شبكة SciDev.Net مع بعض المؤسسات والهيئات المعنية ووزارات الزراعة بعدد من الدول العربية؛ كي يدلوا بدلوهم في أمر التلوث الجيني، ولكن لم يصلها أي رد.

لأهل التخصص والاختصاص عندنا مطالبات في هذا الشأن، يمكن إجمالها بأن المنطقة في حاجة لإعادة تقييم سياساتها تجاه استيراد المنتجات الغذائية، ولاتخاذ تدابير تمنع التلاعب الجيني بغذائها؛ حفاظًا على البيئة والصحة.

يقول السنهوتي لشبكة SciDev.Net: ”يجب على الدول العربية منع دخول الأغذية المعدلة وراثيًّا عن طريق تفعيل الاتفاقيات القوية التي تنصُّ على خلوِّ الشحنات من مثل هذه الأصناف، وتطبيقها عند الاستيراد“.

وأحد المشاركين في إعداد مسودة قانون السلامة الأحيائية بمصر، الدكتور أسامة محمد الطيب -الأستاذ المتفرغ بكلية الصيدلة جامعة القاهرة- يشدد على ضرورة ”وضع قانون يقي العالم العربي من فوضى التلوث الجيني“.

ويؤكد الطيب لشبكة SciDev.Net ضرورة ”توفير حماية لهذا القانون من التدخلات الأجنبية وأصحاب المصالح المحليين“.

وبأسف يوضح الطيب أنه ”حتى الآن لم يصدر القانون المصري للسلامة الأحيائية، رغم أن مسودته الأولى تم البدء في إعدادها عام 1998“.

 
غياب المختبرات ونقص الكوادر

الحديث عن المنع والحظر يستلزم إجراءات بديهية، واستعدادات تسبق عقد الصفقات، ووصول الشحنات إلى الموانئ.

تقول هيلين والاس لشبكة SciDev.Net: ”ينبغي على الحكومات العربية إجراء اختبارات منتظمة لشحنات الذرة وفول الصويا في موانئها، كما هو الحال بالاتحاد الأوروبي والصين“.

ينبغي الكشف عن النسب المئوية للتعديل الوراثي على الملصق الغذائي.
وفي رأي السنهوتي يتطلب هذا ”وجود قواعد بيانات علمية تحتوي على جميع المعلومات ذات الصلة، ويشرف عليها من هو خبرة في هذا المجال“.

لكن زميل السنهوتي في الدراسة السعودية، الدكتور محمد فوزي رمضان -الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى- يقول لشبكة SciDev.Net: ”من السهل دخول الأغذية المهندسة وراثيًّا إلى معظم البلاد العربية؛ لعدم وجود قواعد منظِّمة وأجهزة رقابية جيدة“.

وإذا وجدت الجهات الرقابية يؤكد السنهوتي وجوب ”تدريبها على كيفية الكشف عن العناصر المعدلة وراثيًّا“، فهو يرى أنه: ”لا يوجد (لدينا) المتخصص ذو الخبرة والمهارة في مجال الكشف عن المواد المعدَّلة وراثيًّا“.

ويستنكر السنهوتي أنه ”بالرغم من إمكانية إجراء طرق الكشف في أي معمل متخصص في البيولوجيا الجزئية، فلا يوجد في معظم البلاد العربية المعامل المرجعية المتخصصة والمعتمدة“.

وللأسف تؤكد المعلومة غريتا أبو سليمان، المدير التقني لمختبر تحاليل الكائنات المعدلة وراثيًّا بكلية العلوم الصحية بالجامعة الأمريكية للعلوم والتكنولوجيا ببيروت في لبنان.

وتكشف غريتا لشبكة SciDev.Net: ”مختبرنا هو الوحيد في المنطقة العربية الذي لديه التقنيات والتجهيزات اللازمة لإجراء تحاليل الكشف عن المواد المعدلة وراثيًّا وفق معايير الهيئة العالمية للتوحيد القياسيISO، ووفق معايير المختبرات المرجعية الأوروبية“.
 
تناقضات عجيبة

نعم، من عجب أن تقول غريتا: ”ثمة قرار يحظر استيراد البذور المعدلة وراثيًّا في لبنان، ولكن لا يوجد -حتى الآن- أي قرار رسمي بشأن استيراد الأطعمة والأعلاف التي قد تحتوي على مواد معدلة وراثيًّا“.

وغريبٌ كذلك، أنه وقت إجراء الدراسة السعودية، يقول السنهوتي: ”اكتشفنا وجود فول صويا معدَّل وراثيًّا في منتجات اللحوم المصنعة بالمملكة، كما وجدنا عينات كيك تُقدَّم في محلات كبرى بالمملكة، بها مكونات معدلة وراثيًّا، ومكتوبٌ عليها ذلك“.

ويستنكر: ”وعند الحديث مع صاحب القرار يقول: ’دخوله ممنوع‘“، ثم يؤكد السنهوتي: ”لدينا صور العينات“.

وإلى أن تُحسم الأمور العالقة في شأن التلوث الجيني، إما أن تُسحب المنتجات المعدلة وراثيًّا من الأسواق، مع مراعاة أنه ”من المستحيل سحب أي منتج غذائي معدل وراثيًّا دون نظام مراقبة وتتبُّع في السلسلة الغذائية“، على حد تعبير والاس.

وإما يتوجب ”الفرز والعزل ووضع علامات وملصقات على المنتجات المعدلة وراثيًّا؛ فهي أمور بالغة الأهمية للحفاظ على حق المستهلك في الاختيار“، كما تقول والاس.

وفي هذه الحالة لا يقف الأمر عند وضع العلامة، بل ينبغي الكشف عن النسب المئوية للتعديل الوراثي على الملصق الغذائي.



هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط