الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • في الديسابورا .. لا يُكرَم العالِم العربي أو يهان

    Mohamed ELsonpaty, Tareq Al Hmaidi, Adel Fakhir

    16/08/17

نقاط للقراءة السريعة

  • يجب بذل جهود واسعة النطاق للوصول إلى الباحثين من بين ملايين اللاجئين من الحروب

  • وكثير من العلماء المتضررين يعاني مستويات عالية من البطالة والإهمال

  • وبعضهم يُمتهن في وظائف مؤقتة ومنخفضة الأجر ولا تتناسب مع مؤهلاته

بين لاجئي الحرب والصراعات التي تشهدها المنطقة، علماء وباحثون كُثُر ضاعوا في الشتات، فلا هم واصلوا أبحاثهم، ولا بلدان المهجر القسري أكرمت وفادتهم.

يقول وزير التعليم العالي والبحث العلمي الأسبق بالعراق، طاهر البكاء: ”لا تعطي بعض الدول حق الإقامة الدائمة لتلك الكفاءات، خاصة البلدان العربية والإسلامية والآسيوية، وعندها يصير شأن أحدهم شأن عامل البناء والنظافة، مهدد بالطرد في أي لحظة، ومثل هذا يعيش في حيرة وعدم استقرار“.

حول هؤلاء، انعقد اجتماع في تريسيتي بإيطاليا مارس المنصرم، نظّمته بالتعاون ثلاث مؤسسات دوليّة، هي: ’الأكاديميّة العالميّة للعلوم‘، و’المعهد الوطني لعلوم المحيطات والجيوفيزياء التجريبية‘ في إيطاليا، وهي الجهة المضيفة، وجامعة ’أوروبا-البحر المتوسط‘ في سلوفينيا. كما تولى التنسيق فيما بينهم ’مكتب دبلوماسيّة العلوم‘.

وقد جمع الاجتماع أكثر من 50 مشاركًا من 12 دولة، وضم صانعي السياسات، وممثلي مؤسسات علمية وتعليمية، ووكالات لاجئين، وعددًا من العلماء اللاجئين، موليًا اهتمامًا خاصًّا للاجئين من سوريا واليمن والعراق وأفغانستان وليبيا.

”حركة العلماء المدفوعة بالنزاع والحرب، لا يمكن اعتبارها ظاهرة مؤقتة أو طارئة، وإنما هي سمة دائمة للعولمة وعدم الاستقرار الجيوسياسي“

أحد حضور اجتماع تريسيتي بإيطاليا

أكد المشاركون أن العلماء اللاجئين لا يستغلون مهاراتهم، فهم إما متعطلون، محرومون من فرص العمل التي تتناسب ومؤهلاتهم، أو في وظائف متدنية المهارات (مؤقتة أو منخفضة الأجر).

وخرجت توصيات الاجتماع لإدارة هذه ’الأزمة الضخمة‘ -على حد وصف المشاركين- في تقرير صدر نهاية مايو الماضي، داعيةً إلى إيجاد برامج تعليميّة وبرامج توظيف وغيرها من المبادرات التي من شأنها دعم الإدماج الاجتماعي والمهني للاجئين من العلماء.

مجرد خروج هذه التوصية من اجتماع تنظمه مؤسسات كل واحدة منها تمتلك ’شبكة وصل‘ بين أوروبا من جهة والعالم النامي من أخرى، لا سيما الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هو اعتراف صريح بالتقصير أو الخذلان للعلماء اللاجئين في الشتات.

نعم تقصير وخذلان، وأيضًا نكران لقيمتهم وقاماتهم، حتى وإن تذرع الحضور بأن ”حركة العلماء المدفوعة بالنزاع والحرب، لا يمكن اعتبارها ظاهرة مؤقتة أو طارئة، وإنما هي سمة دائمة للعولمة وعدم الاستقرار الجيوسياسي“.
 
بل ربما يظن القارئ أن محاولةً تُبذل للتنصل من المسؤولية، عندما يطالع تصريحًا عن الأزمة مفاده أنه: ”لا يمكن لحكومة أو منظمة أو مؤسسة واحدة حلها، فجوانبها عديدة ومعقدة“، وفق ما ذكر بيتر مكجراث، منسق برنامج السياسة العلمية والدبلوماسية العلمية في أكاديمية العالَم للعلوم، وأحد المشاركين.

ضيعة

لكن لندع هذا جانبًا، ونبدأ الحل من حيث ما أشار مكجراث إليه بأن ثمة حاجة مُلِحة لجمع البيانات أولًا لتحديد مَن هم العلماء والباحثون اللاجئون وأين هم وما هي خبراتهم، كما أنه من الضروري أيضًا تحديد الدول المضيفة والمؤسسات التي يمكنهم مواصلة أبحاثهم فيها.
 
يقول مكجراث لشبكة SciDev.Net: ”على وجه السرعة ينبغي مضاعفة الجهود وتنسيقها بين مختلِف الجهات الوطنية والإقليمية في هذا الصدد. فنحن بحاجة إلى موارد متاحة على الإنترنت يمكن استخدامها بواسطة العلماء اللاجئين لتسجيل بياناتهم، وأيضًا بواسطة المؤسسات البحثية في الدول المستضيفة التي يتوفر لديها فرص ومِنح لاحتضان أولئك العلماء“.
 
ولا بد من النظر إلى هؤلاء على أنهم كنز، إذ يؤكد عبد الحميد الزهيري -رئيس مجلس إدارة جامعة أوروبا- البحر المتوسط- أن ”العلماء اللاجئين ثروة من الموارد، والاستثمار فيهم يمكن أن يحقق أرباحًا، وعلى الدول المستضيفة إدراك ذلك“.

إكراه

”علينا أيضًا إدراك أمر في غاية الأهمية، وهو أن من العلماء اللاجئين مَن ينوي العودة إلى وطنه متى أمكن“، وفق ستيفن ووردزوورث، المدير التنفيذي لمجلس مساعدة الأكاديميين المعرضين للخطر، وهي مبادرة من بين المبادرات المعنية بمواجهة المشكلة.

وعليه يرى ووردزوورث أن المبادرات التي تستهدف العلماء اللاجئين –والتي تقدم الدعم لطالبي اللجوء أو مَن يحملون صفة لاجئ– تُعَدُّ مشكلة، ذلك لأنها تحملهم على سلوك طريق بعينها قد لا يرغبون في اتخاذها. ”لذا لا ينبغي الضغط عليهم ودفعهم لهذه الطريق.. علمهم ومهاراتهم سيكونان ضروريين عند العودة إلى أوطانهم“.

لفت أيضًا ووردزوورث إلى أن العديد من طالبي اللجوء قادمون من دول تتسم أنظمتها الأكاديمية ومناهجها البحثية بالضعف. كما أن مهاراتهم في اللغة الإنجليزية قد تكون ضعيفة –وأحيانًا منعدمة– مقارنة بالعديد من نظرائهم بالمجتمع الأكاديمي الدولي.

يقول ووردزوورث لشبكة SciDev.Net: ”ما يحتاجه أولئك هو برامج ومبادرات تفكر في فائدتهم وقيمتهم لأوطانهم في المستقبل، ومن ثَم توفير الفرص لمواصلة ما حققوه، بجانب تطوير مهاراتهم وبناء الشبكات التي سيحتاجونها عند العودة إلى أوطانهم لإعادة إعمارها“.

فاقة

يتفق مكجراث مع ما توصل له ووردزوورث، ويرى ضرورة التحرك إلى ما هو أبعد من تلك المبادرات الفردية الرائعة، إلى شيء أكثر شمولًا وممول بشكل أفضل. وذلك بدمج العمل بين منظمات الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمؤسسات الأكاديمية ومؤسسات تمويل العلوم.

وفي هذا الصدد ثمة مقترح جدير بالاعتبار، من حيان دخان -السوري اللاجئ، الباحث الزائر في كلية العلاقات الدولية بجامعة سانت أندروز في اسكتلندا- الذي ينصح بتخصيص موازنة خاصة للباحثين اللاجئين؛ لعمل دراسات علمية مختلفة تتعلق ببلادهم التي قدموا منها، وكيف من الممكن الاستفادة من تلك الدراسات في مرحلة ما بعد الحرب. كما يقترح عمل دراسات حول طريقة دمج اللاجئين في سوق العمل في البلد المستضيف.

”ما يحتاجه أولئك هو برامج ومبادرات تفكر في فائدتهم وقيمتهم لأوطانهم في المستقبل، ومن ثَم توفير الفرص لمواصلة ما حققوه، بجانب تطوير مهاراتهم وبناء الشبكات التي سيحتاجونها عند العودة إلى أوطانهم لإعادة إعمارها“

ستيفن ووردزوورث، المدير التنفيذي لمجلس مساعدة الأكاديميين المعرضين للخطر

أما محمود العباسي -ويحمل دكتوراة في اللغات السامية من جامعة السوربون بباريس، وهو عراقي لاجئ إلى الأردن- فيرى أن ”الوطن العربي لم يهتم بالعلماء اللاجئين، حتى وإن حصل بعضهم على وظائف فإنها لا تكفي“.

كيف يفكر بعضهم في مستقبله المهني والارتقاء به؟ أو أنى لأحدهم الرغبة في تطوير علمه ومواكبة المستجدات وهو يكابد القلق على لقمة العيش ومحاولة إطعام أسرة عدد أفرادها تسعة؟ كما هو الحال مع رياض المصطفى، طبيب الأطفال السوري اللاجئ إلى الأردن.

امتهان

يسكن المصطفى في منطقة الرصيفة الشعبية شرق العاصمة الأردنية، ويقول إنه ”لا يُسمح للطبيب السوري بمزاولة المهنة، وهو يعمل لصالح إحدى الجمعيات في مخيم الزعتري، حيث يناظر يوميًّا عددًا كبيرًا من المرضى في المخيم، ولا وقت لديه لتطوير علومه إلا من خلال مبادراته الفردية في قراءة بعض المقالات العلمية إن وجد الوقت“.

ويستطرد: ”أحلام تطوير المهنة والارتقاء بدأت تتلاشى، وينصب كل اهتمامي الآن على مواصلة العمل لضمان تأمين دخل ولو زهيد لتلبية احتياجات أسرتي“.

في الوقت ذاته يتساءل المصطفى عن رابطة أو هيئة لاحتضان العلماء العرب ممن مزقت الحروب دولهم لتطوير مهاراتهم واحتضانهم عوضًا عن تركهم يتسربون للدول الأوروبية.

ويقول المصطفى: ”هؤلاء العلماء هم رأس مال الدول التي تشهد حروبًا حالية، فإذا ما انتهت الحرب في سوريا كيف ستُبنى وأبناؤها من الخبراء والعلماء معظمهم في أوروبا؟“. 

ويرى العراقي فالح عبد الجبار -أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة لندن- أن ”الحل الاستراتيجي هو حل النزاع، لكن هذا قد يستغرق حياة جيل كامل، وفي غضون ذلك يمكن وضع برامج آنية ومتوسطة لاستيعاب العلماء والأكاديميين المهددين، في برامج بتمويل عالمي لدى الدول المجاورة“، ومن هذه الدول الإمارات والكويت والأردن ومصر، بل وحتى لبنان.

ويستطرد: ”لعل استضافة العلماء المهددين في مؤسسات هذه البلدان بديل أفضل من الهجرة النهائية إلى دول الغرب“. 

معاناة

استمعوا إلى دخان، الذي يقول: ”إن أكبر المشكلات التي تواجهنا على المستوى الشخصي نفسية؛ إذ إن متابعة أخبار الحرب باستمرار تصيبنا بالاكتئاب والحزن، بالإضافة إلى الشعور بالذنب والعجز لعدم القدرة على تقديم المساعدة لأهالينا ممن هم ضمن نطاق الحرب“.

ويستطرد: ”هذا بجانب نظرة الشفقة التي يُنظر إليَّ بها لأني لاجئ“.

ويشير دخان إلى أن أغلب الجامعات البريطانية تقدم دعمًا معنويًّا وماديًّا للاجئين من الباحثين، لكنها لا تمتلك بنية مؤهلة لدعم أشخاص قادمين من مناطق الحروب والنزاعات، لذا يقترح على الدول المستضيفة تطوير برنامج دعم نفسي للباحثين اللاجئين.

خير الكلام ما أعرب عنه المدير التنفيذي المؤقت للأكاديميّة العالمية للعلوم، محمد حسن، عندما أمل في أن تولّد توصيات الاجتماع زخمًا جديدًا لإقامة شبكات من أجل إيجاد نظام دعم للباحثين بين اللاجئين.


هذا الموضوع أُنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.