الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • كيفية التعامل مع المشاركين في البحث الميداني

    Obidimma Ezezika

    21/09/14

نقاط للقراءة السريعة

  • • بناء جسور الثقة هو الأساس الجوهري لنجاح البحوث في الميدان

  • • تنبع الثقة من الإنصات والتفهم بقدر ما تنبع من توفير المعلومات

  • • غالبًا ما يؤدي التواصل الجيد إلى مقترحات من شأنها تحسين بحوثك

كيف يمكنك بناء جسور الثقة مع المجتمعات المحلية المشاركة في بحوثك؟ أوبيدمّا إزيزكا يسدي النصح، ويطلعنا على خبرته

لمن كان بصدد مشروع بحثي يوشك أن يباشره في دولة نامية، أقول: سوف يعتمد مدى نجاح مشروعك –إلى حد كبير– على الكيفية التي تتواصل بها مع المشاركين في البحث.
 
    كيفية التعامل مع المجتمعات المحلية في البحث الميداني
     
    ركز على الثقة
    بادر بالتواصل
    أنصت وتعلم
    تعرف على المشاركين معك
    استخدم وسائل التواصل المناسبة
    احصل على موافقة مستنيرة
    ينبغي ألا ينقطع الاتصال بانتهاء البحوث
  1.  
لربما تُجري تجربة سريرية، أو تبغي معرفة أفضل السبل لإعداد مشروع تنموي، أو ستستعين بمزارعين من أجل اختبار بذور محسنة أو غيرها من التقنيات الجديدة. إذن، من أين تبدأ؟ وما هي المهارات التي تحتاجها للتعامل مع المجتمعات المحلية وبناء جسور الثقة؟

لقد وجدت الإجابة على هذه الأسئلة عندما أجريت بحوثًا في ثمانية بلدان نامية، وأرغب في مشاركة تجربتي؛ للمساعدة في إرشادك إلى أساسيات التواصل الفعال مع الناس الذين يسهمون في تنفيذ بحثك.

ركز على الثقة

إن الهدف من التواصل الفعال مع المجتمعات هو مد جسور الثقة المتبادلة، وكسب دعمها الذي من شأنه تعزيز مشروعك البحثي، فضلاً عن جعل هذه التجربة مفيدة للمجتمع قدر المستطاع.

وإذا كنت بحاجة إلى إقناع بأهمية التواصل لبحثك، فكر فيما سيحدث عندما يتداعى.

في شمال نيجيريا شهدنا تعثر مبادرة تطعيم شلل الأطفال لأننا تسامحنا مع ديمومة الخرافات المنتشرة عن التحصين، ومع مخاوف المجتمع. قد يُعزى هذا إلى ارتياب المجتمع والمشاركة غير المجدية من جانب مسؤولي الصحة الحكوميين، خصوصًا مع الزعماء الدينيين.[1]

وبالمثل، أقلع باحثون في كمبوديا عن إجراء تجارب تينوفوفير –وهو علاج وقائي لمرض نقص المناعة البشرية– بعد فشل المشروع في مراعاة الاحتياجات الاجتماعية والثقافية على النحو اللائق عند وضع خطط التجارب. على سبيل المثال، لم تجر التجارب مشاورات مع المجتمعات المستهدفة، أو لم تقدم لها المشورة المناسبة.[2]

تتحقق المشاركة الفعالة عندما يكون هناك تواصل وثقة متبادلان بين الباحثين والمجتمع، وعندما يتمكن الباحثون من معالجة أي قضايا أو مخاوف قد تنتاب المجتمع بشأن البحث.

ولقد أمكن المضي في برنامج التطعيم بشمال نيجيريا، عندما انخرط الزعماء الدينيون فيه؛ لمجرد تخفيف هواجسهم تجاه الظن الشائع هناك بأن التحصين طريقة سرية للسيطرة على السكان.

لقد كتبت وزميل لي بحثًا في الشهر الماضي ناقشنا فيه أن التواصل الذي يركز على بناء جسور الثقة وتعزيزها أكثر فاعلية من التوعية أو التوصيل المبسط للمعلومات، وهذه هي الاستراتيجية النموذجية للتواصل البحثي المتبعة في كثير من الأحيان.[3]
 
بادر بالتواصل

يعتمد أحد أساليب بناء الثقة والتفاهم مع المجتمعات على التواصل مع المشاركين عندما تتسنى أول فرصة. على سبيل المثال، فإن شبكة (AMANET) –وهي منظمة أفريقية غير حكومية تجري تجارب على لقاح الملاريا في القارة السوداء- تتواصل مع المجتمعات المحلية قبل البدء في أي تجربة، بحيث تحصل على فرصة لإثارة أي مخاوف بشأن طريقة تصميم البحوث.

تبدأ المنظمة بالتشاور مع المسؤولين الحكوميين وأصحاب المصلحة الرئيسيين في المجتمع. الهدف هو الحصول على إذنهم وكسب دعمهم؛ لأن بإمكانهم مساندة المشروع كما يمكنهم إيقافه أو تقويضه، وكذلك سماع أي مخاوف قد تكون لديهم ومعالجتها، قبل الالتقاء بالمجتمعات على نطاق أوسع.


إن الهدف من التواصل الفعال مع المجتمعات هو مد جسور الثقة المتبادلة وكسب دعمها الذي من شأنه تعزيز مشروعك البحثي، فضلاً عن جعل هذه التجربة مفيدة للمجتمع قدر المستطاع.“

على سبيل المثال، عند تجربة اللقاح المضاد للملاريا الذي تجربه AMANET، تشاور الباحثون أولاً مع مسؤولين يتراوحون بين ممثلين عن وزارة الصحة العامة إلى رئيس البلدة. بعد ذلك، التقى الباحثون بعُمَد القرى وشيوخها وأفراد من المجتمع في حضور مسؤولين من الحكومة المحلية. وأفادت المنظمة أن هذه الممارسات تساعد على إقامة علاقة مع جميع أفراد المجتمع.[4]

إن المجتمع الذي لا يشعر بامتلاكه مشروعًا ما قد لا يشارك فيه، وربما احتج في بعض الأحيان ضده، كما حدث في تجارب تينوفوفير بكمبوديا.

في مثل هذه الاجتماعات، اطلب من زعماء القرى تقديم أنفسهم، ومن الباحثين شرح الدراسة المقترحة. وادرس مسألة حضور مترجم للمساعدة في فهم اللغة المحلية.

تأكد من تخصيصك وقتًا ليطرح أفراد المجتمع المحلي ورؤوس القرى أسئلتهم حول الدراسة المقترحة، مثلاً: كيف سيجري اختيار المشاركين؟ ماذا سيكسب المجتمع؟ وإلى متى سيستمر المشروع؟

وعادة ما يكون من المهم اصطحاب ممثل أو ممثلين عن المكاتب الحكومية التي جرى التشاور معها في البداية؛ إن حضورهم يضفي مزيدًا من المصداقية على وجودك بين جنبات المجتمع.
 
أنصت وتعلم

قد تضفي المشاركة المجتمعية تحسينات على بحوثك. على مدى خمس سنوات بين عامي 2008 و2013، أجريتُ –بالاشتراك مع زملاء من مركز ساندرا روتمان في كندا– تقييمًا لمشروع (WEMA) الذي يمثل اتحادًا معنيًّا بتطوير ذرة مقاومة للجفاف لصغار المزارعين في أفريقيا.

كان الهدف من التقييم هو تحديد القضايا الأخلاقية والاجتماعية والثقافية التي قد تنشأ في أثناء البحث ومعالجتها.

اطرح الأسئلة بدلاً من وضع افتراضات، وأنصت بدلاً من الوعظ، لا سيما عند تحري مخاوف الناس ومشاعرهم إزاء البحث.“


في البداية اختبرنا أدواتنا لتدقيق الأداء الاجتماعي من خلال بعض أصحاب المصالح الداخليين. وبناءً على ملاحظاتهم، عدلنا الأدوات وجربناها باستخدام مقابلات شخصية مع 26 مشاركًا في الأبحاث من القطاع الزراعي، متضمنًا مزارعين في كينيا وموزمبيق وجنوب أفريقيا وتنزانيا.

أدت ردود الفعل من المقابلات التجريبية إلى مزيد من التغييرات في كيفية إجرائنا للمقابلات الرئيسة.[5] تمت هذه المقابلات مع 100 مشارك يمثلون خمس دول مختلفة كل عام، وأدت ردودهم بدورها إلى تغييرات في بحوث مشروع الذرة. على سبيل المثال، بعد التحدث إلى المزارعين الذين أرادوا إدخال صفات عديدة في بذورهم، تم إنتاج أصناف متعددة السمات بغرض اختبارها.
 
تعرف على المشاركين معك

فور اختيار المشاركين معك، يجب أن تتعرف عليهم. ولا يعني هذا التعرف على شخوصهم، لكنه يعني معرفة قدرٍ كافٍ عن تصوراتهم لاطلاعنا على أفضل السبل للتواصل معهم. فثمة اعتبارات جديرة بالاهتمام مثل مدى فهمهم لموضوع البحث، وما هي طبيعة توقعاتهم، والأطر الثقافية والاجتماعية المحيطة بهم.

عند القيام بذلك، حري بك أن تسعى بصدق إلى فهم ثقافة المجتمع. اطرح الأسئلة بدلاً من وضع افتراضات، وأنصت بدلاً من الوعظ، لا سيما عند تحري مخاوف الناس ومشاعرهم إزاء البحث. لو سمحت برواج معلومات مضللة وانتشار الخوف، فمن غير المرجح أن يشارك المجتمع في بحثك.

والطريقة المثلى للتعرف على المشاركين معك هي تمضية بعض الوقت في المجتمع، والتنسيق مع مؤسسات محلية، مثل المؤسسات البحثية التي تتخذ مقرات لها في المجتمعات المراد إجراء البحث فيها.

الطريقة المثلى للتعرف على المشاركين معك هي تمضية بعض الوقت في المجتمع، والتنسيق مع مؤسسات محلية.“


وخلال مشروع الذرة المقاومة للجفاف في أفريقيا، على سبيل المثال، عقدنا جماعات دراسة لجمع وجهات نظر المزارعين حول البحث. سألنا المجتمع عن مخاوفه، وطرح الناس قضايا مثل وجود حاجة لشركات بذور نطاق عملها أصغر؛ كي تشارك في بيع أصناف الذرة الجديدة وتوزيعها، وألا تكون بذور الذرة قادرة على تحمل الجفاف فحسب بل مقاومة الحشرات أيضًا. وقد استجاب باحثو المشروع لهذه القضايا وعالجوها في السنة التالية.

وبناء على نطاق المشروع وحجم المجتمع، قد ترغب في إضفاء طابع رسمي على اتصالاتك بالمنظمات المحلية وجعلها جزءًا من المشروع. ومع ذلك، من المهم التأكد من أن أي منظمة تتصل بها تتمتع بسمعة طيبة في المجتمع ولديها سجل جيد. بالإضافة إلى ذلك، يعد توظيف الأيدي المحلية مهمًّا بالفعل لمساعدتك على فهم المجتمع وإجراء بحوثك بفاعلية.

عندما أذهب إلى قرية لست على دراية بها، أتأكد من وجود سائق أو دليل يتحدث اللغة المحلية، وقد أختار مترجمًا محليًّا. وفي بعض الأحيان، أتصل بالمنظمات الشريكة الأخرى التي تزودني بشخص من المجتمع يمكنه مساعدتي على فهم السياق المحلي، والاجتماع برؤوس القرى وأفراد من المجتمع، ومعرفة أماكن المكاتب الحكومية. ويحبذ إعداد هذه الترتيبات قبل بدء بحوثك.
 
استخدم وسائل التواصل المناسبة

إن للغة التي تستخدمها في التواصل شأنًا بالغ الأهمية، وكذلك القناة التي تستخدمها لتوصيل المعلومات. على سبيل المثال، في بلد يتحدث العديد من اللغات، قد يفهم شخص ما اللغة الرئيسة، لكنه سيشعر براحة أكبر وسيفهم أكثر عن البحث إذا دار الحوار باللغة المحلية. وإذا كان الناس لا يستطيعون القراءة، فلن تنفعهم المعلومات المطبوعة.

قم بإعداد استراتيجية تواصل لكل مشروع على حدة. قد تستدعي الحاجة توصيل المعلومات بأكثر من لغة، أو تغييرها تبعًا للمشاركين (وهذا أحد أهم أسباب التعرف عليهم).

لقد شهدنا الحاجة لهذا في مشروع يهدف لكسب تعاون المزارعين في زراعة القطن Bt المعدل وراثيا في بعض المجتمعات المحلية في بوركينا فاسو. كنا ندرس دور الثقة في فاعلية الشراكات الزراعية بين القطاعين العام والخاص في أفريقيا من خلال استكشاف كيفية تعاملهما مع المزارعين والمجتمعات.[6]

وبينما تمثل الفرنسية اللغة الرسمية في بوركينا فاسو، يتحدث العديد من الأفراد لغات عرقية أيضًا –مثل جولا، ومور، وجولماسيما. علاوة على ذلك، يبلغ معدل أمية الكبار في بوركينا فاسو نحو 29%، مما يجعل المعلومات المكتوبة عديمة الفائدة لمجموعة كبيرة من الناس. وعلى الرغم من هذه الحواجز اللغوية، كان مشروع القطن Bt المعدل وراثيا قادرا على إطلاع معظم المزارعين على المشروع باستخدام نهج متعدد اللغات يتضمن استخدام وسائط متعددة، ويشمل ترجمة مستندات التواصل إلى اللغات المحلية، واستخدام الصحف، بالإضافة إلى عقد ندوات ترويجية، وبث إعلانات إذاعية ودعاية تلفزيونية، وعرض أفلام.
 
الموافقة المستنيرة

من المهم أن تحصل على موافقة مستنيرة قبل إجراء البحث بوقتٍ كافٍ، بحيث يكون لدى المشاركين المحتملين متسع من الوقت لمراجعة أهداف المشروع، وطرح أي أسئلة عليك.


بالطبع، سيحين الوقت الذي تخبر فيه المجتمع بجوانب البحث. لا ينبغي أن تشارك المجتمعات المحلية في اتخاذ جميع القرارات. وفي هذه الحالات، تصبح الشفافية عاملاً أساسيًّا: أبلغ المشاركين والمستخدمين النهائيين بما ينطوي عليه البحث، وما إذا كانوا سينتفعون به أم لا، وكيفية ذلك. استمع إلى مخاوفهم وأجب على أي أسئلة يطرحونها.

في سويتو بجنوب أفريقيا، كان صغار المزارعين الذين أردت مقابلتهم حريصين على لقائي؛ لأنهم ظنوا أنني من طرف حكومة جنوب أفريقيا، وأن في استطاعتي منحهم البذور. لكني شرحت لهم أني لا أستطيع تقديم أي شيء لهم، وليس لي أي تأثير على حكومة جنوب أفريقيا أو القطاع الخاص. شعر المزارعون بخيبة أمل، لكن وضوحي وصدقي بشأن عدم وجود منافع كانا محل تقدير. وقد شاركوا في البحث في كل عام مدة خمس سنوات.

من المهم أن تحصل على موافقة مستنيرة قبل إجراء البحث بوقتٍ كافٍ، بحيث يكون لدى المشاركين المحتملين متسع من الوقت لمراجعة أهداف المشروع، وطرح أي أسئلة عليك.

وينبغي كذلك تقديم مستند للمشاركين في بحثك، ينطوي على موافقة مكتوبة بلغتهم الأم، أو بلغة يفهمونها على الأقل. وإذا كانوا أميين، يمكنك الاستعانة بمترجم لتقديم عرض شفوي يتضمن معلومات الموافقة المستنيرة وأن يكتب في وثيقة الموافقة الطريقة التي تم بها الأمر (بما في ذلك ملخص لما قيل). وينبغي تقديم هذه الوثائق والملخصات للمشاركين بلغتهم الأم.

وفي هذا الصدد، أحبذ بصفة خاصة فصل أخلاقيات الطب الحيوي المعني بالموافقة المستنيرة في تقرير مجلس نوفيلد: أخلاقيات البحوث المتعلقة بالرعاية الصحية في البلدان النامية.[7]
 
ينبغي ألا ينقطع الاتصال بانتهاء البحوث

لا بديل إذًا عن بناء جسور الثقة، فوجودها أو غيابها هو الفيصل في فاعلية مشروعك البحثي واستدامته.


بوصفك باحثًا، يجب أن يكون هدفك الحفاظ على استمرارية الحوار، حتى عند انتهاء التدخل البحثي رسميًّا. وهذا يسري أيًّا كان موضوع بحثك، سواء كان مشروعًا لتنقية المياه، أو تجارب سريرية، أو إدخال أصناف جديدة من المحاصيل.

بعض من ذلك، أن ترسل نتائج البحوث وتعلم المشاركين بالمعارف التي ساعدوا في اكتسابها. وفي بعض الحالات، يكون ذلك لضمان أن تعود أي نتائج للأبحاث بالنفع على المجتمع.

رأينا نموذجًا لهذا في برنامج التكنولوجيا الحيوية الزراعية في جنوب أفريقيا القائم على تطوير ذرة معدلة وراثيًّا. فقد رتب الباحثون الذين أجروا تجارب على أصناف بذور جديدة زيارات متابعة للمزارعين؛ حتى يتمكنوا من الرد على أي قضايا أو أسئلة تطرح، والتأكد من أن المزارعين استمروا في استخدام البذور بالأسلوب السليم (من خلال استخدام الأسمدة الملائمة، وغرس البذور على مسافات مناسبة، والتطبيق الفعال للدورات الزراعية، مثلاً).

وقد وصف المزارعون الذين تحدثت معهم هذه المتابعة بأنها نافعة. إن تعزيز الممارسات الزراعية يساعد المزارعين على استخدام البذور لتحقيق أفضل النتائج، كما يضمن بقاء تدخل الباحثين على المسار الصحيح.

ومن ثم، يعود نفع الجهد المبذول لفهم المشاركين والتواصل معهم بشكل فعال على الطرفين. لا بديل إذًا عن بناء جسور الثقة، فوجودها أو غيابها هو الفيصل في فاعلية مشروعك البحثي واستدامته.


الدليل منشور بالنسخة الدولية يمكنكم مطالعته عبر العنوان التالي:

 
**أوبيدمّا إزيزكا: هو الرئيس التنفيذي للمركز الأفريقي للابتكار وتنمية القدرات القيادية، وهو مدرس مساعد في كلية دالا لانا للصحة العامة بجامعة تورونتو.