الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • كي لا تذكي تكنولوجيا الاتصالات الحروب والصراعات

    Anahi Ayala Iacucci

    19/07/16

نقاط للقراءة السريعة

  • التكنولوجيا يمكنها تعزيز بناء السلام أو تقويضه

  • لكنها مجرد أداة في يد الشعوب

  • ينبغي أن يكون الهدف تشجيع المصالحة وتخفيف الصدمة

قد تسهم المعلومات والاتصالات في بناء السلام، لكن أناهي أياكوتشي لا ترى مناصًا من تغيير العقول لإنهاء الصراع

يعد بناء السلام الجبهة الجديدة في المعركة طويلة الأمد بين المتفائلين باستخدامات التكنولوجيا والمتشائمين منها.يعتقد المتفائلون أن التكنولوجيا قد تسهم في عمليات بناء السلام من خلال توفير أدوات تعزز التعاون، وتغيّر المواقف، وتمنح المجتمعات المحلية صوتًا أقوى. لكن المتشائمين يرون عالمًا توسِّع التكنولوجيا فيه الفجوة بين المجموعات المتخاصمة، وبالتالي تؤجج صراعات أكثر مما تحل.

والحقيقة هي أن السلام يصنعه الناس، فالتكنولوجيا لا تُوجِد شيئا لم يكن موجودًا بالفعل.

أدوات للكراهية

جنوب السودان، على سبيل المثال، هو مكان دامت فيه الحروب أكثر من 20 عامًا. بدأت الصراعات أولًا لنيل الاستقلال عن السودان، ثم شهد تناحرًا داخليًّا منذ ديسمبر 2013. هناك، توفر وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر منبرًا لخطاب الكراهية، والتحريض على العنف، وتعزيز الانقسامات على أسس عرقية. وتتمتع هذه الأدوات بتأثير قوي حتى وإن كان مستخدموها نسبة أقل من 26% من السكان.

ففي الحقيقة تعد مواقع التواصل الاجتماعي مساحات غير رسمية للتنفيس عن الغضب ضد المؤسسات والجماعات العرقية المنافسة، بالإضافة إلى وجود أقسام للتعليقات في العديد من المواقع -حيث تُناقَش القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية- تكون غالبًا غير خاضعة للإشراف، وهو ما يفسر استمرار خطاب الكراهية عليها.

يدير معظم هذه الصفحات مواطنون سودانيون جنوبيون مقيمون في الخارج، حيث تلعب فضاءات الإنترنت دورًا حيويًّا في ربط ذوي الكراهية المشتركة للمجموعات الأخرى، بدلًا من مناقشة المصالحة الممكنة، وهو ما يزيد الصراع في جنوب السودان عبر تأجيج التقسيم العرقي.

السلام يصنعه الناس، فالتكنولوجيا لا تُوجِد شيئًا لم يكن موجودًا بالفعل

أناهي أيالا أياكوتشي
هذا لا يحدث عبر الإنترنت فقط. في عام 2014، عندما كنت أعمل في جمهورية أفريقيا الوسطى، كان الشباب يصورون القتل والمجازر على هواتفهم المحمولة لمشاركتها مع الأصدقاء والزملاء. وتجمّع الشباب، خصوصًا في العاصمة بانجي، لمشاركة ملفات الفيديو وصور العنف في مناطقهم باستخدام تقنية البلوتوث، أو من خلال تبادل بطاقات الذاكرة في بعض الأحيان.

هذا النوع من تدفق المعلومات كان مقصورًا على هؤلاء الأفراد ولا يلحظه الغرباء؛ لأن السبيل إليه هو من خلال مشاركتهم وجهة النظر للصراع، أو القواسم الجغرافية والعرقية. لمعرفة مكان هذا اللقاء، كان عليك أن تكون جزءًا منه بالفعل.

زيادة التحيز المعرفي

تنمّي هذه الاستخدامات للتكنولوجيا ’التحيز المعرفي‘؛ حيث يعزز الأفراد واقعهم الاجتماعي المنحاز، بناء على تصوراتهم الخاصة بأية قضية.

وسائل التواصل الاجتماعي تحديدًا مناسبة تمامًا لهذه العملية، ففي بيئات الصراع، يتيح توافر مساحة غير خاضعة للتنظيم -مثل الإنترنت- للناس أن يبحثوا عن وجهات النظر التي تؤكد آراءهم الحالية.

وبينما يجادل مستخدمو تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لبناء السلام بأن التكنولوجيا تخلق مشاركة إيجابية على الإنترنت، تُظهر حالات الانقسام الكثيرة التي تعتمد على التكنولوجيا أن الأدوات لا توجِد ما لم يكن موجودًا بالفعل.

عندما كنت أعمل في مصر، قبل ثلاثة أشهر فقط من الربيع العربي، كان الشباب من جميع الأحزاب السياسية والخلفيات الاقتصادية والأديان يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة في النشاط السياسي. وعندما بدأت الثورة، ظلت هذه الوسائل هي الأدوات الرئيسة للنشاط. لكن في الأيام الأربعة التي أغلقت الحكومة فيها شبكات الإنترنت والمحمول، لم تمت الثورة. لقد تكيف الناس فحسب مع وسائل الاتصال المتاحة.

إذا كان الناس هم صانعو السلام، فمن ثَم تتراجع التكنولوجيا إلى دورها الأصلي والحقيقي لكونها مجرد أداة.

الحاجة إلى الغفران

يُظهر المثال المصري أيضًا أن الاستخدام المستدام لأي تكنولوجيا يرتبط ارتباطًا صارمًا بتوافرها في أي وقت من الأوقات. ففي أغلب الأحيان، تجد الحكومات والجماعات القمعية سبلًا لوقف استخدام التكنولوجيا إذا كانت تضر بهم. هذا يعني أن التكنولوجيا قد لا تكون متاحة على الإطلاق عندما تشتد الحاجة إليها.

ينسى أيضًا أنصار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لبناء السلام أن السلام في نهاية المطاف هو عملية تضع الشخص على درب المصالحة والغفران، لا سيما مع الصراعات العرقية المطولة، حيث تمثل الصدمة الشخصية القوة الدافعة وراء مشاعر الكراهية والانتقام والإحباط.

إذا كنا نريد السلام، فعلينا التعامل مع الناس، والإرادة السياسية، والمصالحة، والصدمات. الأدوات التي يستخدمها الناس ليست هي الهدف، لكن علينا مخاطبة العقول.

أناهي أيالا أياكوتشي
في جنوب السودان، قال لي ذات مرة أحد النازحين داخليًّا، الذي لجأ إلى موقع حماية تديره الأمم المتحدة: ”اتفاق السلام هذا لن ينجح أبدًا؛ لأنه لا يتفهم حاجتنا إلى رؤية إنجاز الثأر بأعيننا“.

ويعتبر القرب المادي بين الناس في الصراعات متغيرًا مهمًّا للغاية في بناء السلام، حيث يعني أن الواقع ’المتصور‘ في الفضاء الرقمي لن يتحقق أبدًا حالما أغلقت فجوة المسافة.

في كينيا، كانت تكنولوجيا المحمول تستخدم لتنظيم العنف بعد انتخابات عام 2007. وعلى الرغم من الضجة التي أثارها الإعلام حول الدور المفترض لمنصات الإنترنت مثل أوشاهيدي في منع العنف، وإقامة العشرات من منصات المراقبة الإضافية منذ ذلك الحين، لا تزال كينيا تواجه عنفًا سياسي المنشأ بعدما طالب رئيس الوزراء السابق رايلا أودينجا بحل اللجنة الانتخابية.

 ولا تزال القضايا نفسها التي ظلت دون تسوية بعد أعمال العنف في عامي 2008 و2009 بلا حل حتى اليوم، ولا يمكن لأي تكنولوجيا أن تساعد في حلها.

تؤدي التكنولوجيا دورًا كبيرًا في تعزيز بناء السلام ودعمه، لكن السلام تصنعه الشعوب في نهاية المطاف. وإذا كنا نريد السلام، فعلينا التعامل مع الناس، والإرادة السياسية، والمصالحة، والصدمات. الأدوات التي يستخدمها الناس ليست هي الهدف، لكن علينا مخاطبة العقول.

أناهي أيالا أياكوتشي هي مديرة الشؤون الإنسانية لمنظمة إنترنيوز في جنوب السودان. يمكن التواصل معها على [email protected]

يعكس هذا المقال رأي الكاتب ووجهة نظره الشخصية فقط، وليس رأي منظمة إنترنيوز.

هذا المقال جزء من إضاءات حول التكنولوجيا من أجل السلام يمكنكم مطالعته عبر العنوان التالي:
tech helps but only people can make peace