الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • عقبات كبيرة أمام استغلال البيانات الضخمة لأغراض التنمية

    Jan Piotrowski

    22/04/14

نقاط للقراءة السريعة

  • تُشكل إدارة البيانات الضخمة وتحليلها تحديًا حتى في الدول المتقدمة

  • يمكن أن تساعد الشراكات مع القطاع الخاص في سد الفجوة بين المهارات

  • من شأن تعظيم الاستفادة من البيانات الموجودة، مثل سجلات الهاتف، أن يكون مثمرًا

سيتطلب تحقيق بشارات البيانات الضخمة لأغراض التنمية بناء قدرات بشرية وتقنية على حد سواء، كما يخبرنا جان بيوتروفسكي.
 
لا يمر يومان إلا وتُستَحدث بيانات أكثر مما أُنتج في التاريخ البشري كله حتى عام 2003، ما يكفي من معلومات لتنضيد عامود من أقراص دي في دي من شأنها أن تبلغ القمر ذهابًا وإيابًا.

ولكن في جبل البيانات هذا –وهو بمنزلة شهادة على أنماط حياتنا الرقمية المتزايدة– دليلاً على عادات الناس وخياراتهم. أدلة يمكن الاستفادة منها في اكتشاف هذه الأنماط، وتقديم وجهات نظر جديدة لممارسة التنمية.

لقد كثُر الحديث حول تعزيز التنمية باستخدام وسائل مثل وسائط التواصل الاجتماعي، والأخبار العامة، وبيانات الشركات الخاصة، والأقمار الاصطناعية، وأجهزة الاستشعار المبثوثة في الطرقات، إضافة إلى تقارير أعدت عن طريق ’التعهيد الجماعي‘ أو الاستعانة بالجماهير.

حتى الأمم المتحدة دعت إلى ’ثورة بيانات‘ لدعم أهداف إنمائية جديدة؛ بحيث يستطيع المشتغلون بالتنمية المستدامة تَتبُّع التطورات بشكل أفضل، ودمج الدلائل في عملية صنع القرار، ما يوفر مزيدًا من الشفافية.

لكن استخلاص الاتجاهات المكنونة داخل البيانات يتطلب مهارة، ومسألة قدرة الدول النامية على تفسير ’البيانات الضخمة‘ بنفسها، وكذلك منظمات التنمية؛ محل جدل.

”في الوقت الراهن، فاق تَفَجُّر البيانات الضخمة قدرة دول كثيرة على استيعابها، ويتجلى هذا في الدول الأفقر، التي تفتقر إلى القدرات البشرية والتقنية“، كما توضح كلير ميلاميد، رئيس برنامج النمو والفقر واللامساواة بمعهد تنمية ما وراء البحار في المملكة المتحدة.

”كلنا يسعى للحاق بركب التكنولوجيا“.

والسؤال هو كيفية اللحاق بالركب. ما الفجوات في القدرات التي هي بحاجة للسد؟ وما هي الاستخدامات والقيود المحتملة؟ ومن هم اللاعبون الرئيسيون الذين يحتاجون دعمًا لتحقيق ذلك؟
 
مُكمِّلة، ولكنها مُعضِلة

ثمة تقرير حديث صدر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة، أظهر أن 107 مكاتب وطنيَّة للإحصاء، ترى مشروعات البيانات الضخمة مُكمِّلةً لطرق جمع البيانات التقليدية -كالدراسات الاستقصائية- لا بديلاً عنها.[1] وهذا يعكس وجهات نظر المنظمات الرائدة في مجال البيانات الضخمة، مثل النبض العالمي Global Pulse؛ وهي مبادرة للأمم المتحدة تبحث في سبل استخدام البيانات الضخمة لأغراض التنمية.

أظهر التقرير أيضًا أن أكثر من نصف دول العالم لديها خطط لاستكشاف استخدامات جديدة للبيانات الإدارية، مثل سجلات الضرائب والجمارك والتأمينات الاجتماعية. وكذلك فإن وسائط التواصل الاجتماعي، والبحث على الإنترنت، وبيانات تعقب المركبات بواسطة نظام تحديد المواقع العالمي ’GPS‘، تحتل موقعًا متقدمًا في جداول الأعمال.

لدى الفلبين، على سبيل المثال، خطط لاستخدام بيانات المعاملات لتقدير المساهمة الاقتصادية لمعدلات اختراق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ’ICTs‘. وتستخدم حكومات غانا والمكسيك بالفعل وسائط التواصل الاجتماعي في معرفة نظرة الجمهور لها، ومصداقية إداراتها.

ولكن دراسة الأمم المتحدة وجدت أيضًا حكومات تواجه عددًا من المشاكل في تنفيذ مشروعات البيانات الضخمة. وتشمل الاهتمامات في هذا الصدد مسائل قانونية بشأن الخصوصية والوصول إلى البيانات، ونقص القدرات البشرية، وتوسيع نطاق البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات؛ من أجل التعامل مع مطالب مجموعات كبيرة من البيانات.

على سبيل المثال، مكتب الإحصاء في كينيا –أحد قادة أفريقيا في مجال تكنولوجيا المعلومات– يفتقر إلى الخبرة اللازمة لتدريب الموظفين على استخدام البيانات الضخمة، فضلاً عن التوعية بالتكنولوجيا اللازمة لتحليلها، وفق تقرير لليونسكو.

ويشكل نقص الأموال شاغلاً آخر، خاصة في البلدان النامية، حيث جرى تقليص نسبة المساعدات الخارجية المخصصة للبرامج الإحصائية بمقدار النصف بين عامي 2011 و2012، لتبلغ 0.16%، وفقًا لتقرير صدر عام 2013 عن منتدى الشراكة في الإحصاء من أجل التنمية في القرن الحادي والعشرين (PARIS21).[2]
 

فاق تَفَجُّر البيانات الضخمة قدرة دول كثير على استيعابها، ويتجلى هذا في الدول الأفقر التي تفتقر إلى القدرات البشرية والتقنية
كلير ميلاميد، رئيس برنامج النمو والفقر واللامساواة بمعهد تنمية ما وراء البحار.

 
ليس بمقدور العديد من الحكومات التعامل مع مشهد بيانات متضخم، كما يؤكد جون جوسير –الرئيس التنفيذي لمجموعة D8A- وهي شركة تقدم أدوات لتخطيط المدن على أساس تتبُّع تنقلات الناس.
 
مشاركة القطاع الخاص

يقول جوسير لشبكة  SciDev.Net: إذا كانت الحكومات ترغب في رؤية البيانات الضخمة مستخدَمة لأغراض التنمية، فأفضل رهاناتها هو أن تتيح للقطاع الخاص إنجاز العمل الأساسي. وعليها أن تدرك أنها ستناضل للمنافسة مع شركات مهيأة للقيام بهذه المهمة.

فمن خلال مِنح حكومية وبرامج حاضنات الأعمال، أنشأت كينيا مثلاً كتلة حرجة لنشاط تكنولوجيا المعلومات في القطاع الخاص، كما يوضح جوسير، يُعد البلد مركزًا لتطوير نظم البيانات الضخمة.

وما يقرب من نصف الشركات التي نفذت مبادرات بيانات ضخمة في البلاد يعتمد على مواهب محلية، لا المستوردة أو المهاجرة، وفقًا لمسح قامت به شركة IDG Connect شمل شركات في كينيا ونيجيريا.[3] ومع ذلك، لا تزال قدرة هذه الشركات بعيدة كل البعد عن أن تكون كافية، فقد وجد المسح أن 23٪ فقط منها لديه موظفون مدربون على التعامل مع متطلبات البيانات الضخمة.

إن الفجوة بين المهارات في أفريقيا تمتد إلى الأوساط الأكاديمية، على حد قول جون كوين، وهو متخصص في علِم البيانات يعمل بمبادرة النبض العالمي. الذي يستطرد قائلاً: ولا يزال الاهتمام الأكاديمي بالبيانات الضخمة منخفضًا نسبيًّا، لكنه شهد تحسنًا سريعًا في مهارات تحليل البيانات والحوسبة للطلاب والموظفين منذ أن تولى هو منصب محاضر في جامعة ماكيريري الأوغندية عام 2007م.
وقال كوين لشبكة SciDev.Net: ”هناك حاجة في الوقت الراهن لاستجلاب المهارات، ولكن الوضع يتغير بسرعة“.
 
الفجوة الرقمية

ويرى كوين أن نقص القدرات البشرية ليس المعوق الوحيد للبيانات الضخمة. ففي أفريقيا -كما هو الحال في مناطق نامية أخرى- هناك وصلات إنترنت غير مكتملة، وإمدادات طاقة متقطعة، وتوصيل محدود في الكابلات ذات السعة العالية. وهذا يعني ببساطة عدم تمثيل أناس كثيرين في البيانات التي جُمِعت رقميًّا.

كما تكشف لنا أحدث بيانات شركة International World Stats، وهي شركة لأبحاث السوق عبر الإنترنت، أن أقل من 16٪ من الأفارقة يصلون إلى الإنترنت. علاوة على ذلك، ووفقًا لمسوح المؤسسات التابعة للبنك الدولي، تعاني البلدان الأفريقية جنوب الصحراء انقطاع التيار الكهربائي كل أربعة أيام في المتوسط، ويدوم كل انقطاع نحو خمس ساعات.

هذا المعدل أكثر تواترًا بنسبة 25٪، ويدوم ضعف الوقت تقريبًا مقارنة بالمتوسط العام في 135 دولة أغلبها من البلدان النامية.[4]

وتعني الكميات المنخفضة نسبيًّا من البيانات الضخمة الناتجة في البلدان الأفريقية، مقارنة بالدول المتقدمة، أن مراكز البيانات في الخارج يمكنها الوفاء حاليًّا باحتياجات القارة من التخزين. ولكن نظرًا لزيادة البيانات في المستقبل، يعتقد كوين أن البلدان قد تحتاج أيضًا لدراسة بناء مواقع تخزين خاصة بها.

من كلية دراسات المعلومات بجامعة ميريلاند في الولايات المتحدة الأمريكية، ترى فانيسا فرياس-مارتينيز أن انخفاض نفاذية الإنترنت تمثل قيدًا على استراتيجيات البيانات الضخمة في العالم النامي. فالمشكلة ليست محض ندرة البيانات، مثل بيانات وسائط التواصل الاجتماعي، لكن الحقيقة أنها غير مُمثِّلة.

وفيما عدا بعض الاستثناءات مثل إندونيسيا، حيث ترتفع نسبة استخدام وسائط التواصل الاجتماعي، تقول فانيسا: في الغالب تكون القلة التي تستخدم الإنترنت بانتظام في الدول النامية من الشباب والقادرين. لذا فإن الانحراف يشوب أي محاولات لاستخلاص استنتاجات شاملة حول الوضع الراهن عن مستخدمي الإنترنت.

وتستشهد فانيسا على مخاطر استخلاص استنتاجات من بيانات غير مُمثِّلة بمحاولة لتطبيق اتجاهات الإنفلونزا من جوجل على بوليفيا؛ وهي عملية مسح للولايات المتحدة تستند إلى عمليات البحث على الإنترنت ذات الصلة بالإنفلونزا. فشلت محاولات تحديد مدى انتشار الإنفلونزا من النشاط الرقمي في بوليفيا؛ لأن سكانها يعتمدون على الأطباء أو المعالجين التقليديين في التشخيص، خلافًا لعدد كبير من الأمريكيين الذين يستخدمون الإنترنت.

قد يكون هذا مثالاً على ”غطرسة استخدام البيانات الضخمة“، التي أشار لها ديفيد ليَزر –من جامعة نورث إيسترن، الولايات المتحدة الأمريكية– وزملاؤه، في انتقاد لنظام تعقُّب اتجاهات الإنفلونزا من جوجل نُشِر مؤخرًا في مجلة Science.[5] وكتب الباحثون أن هذا ناجم عن ”افتراض أن البيانات الضخمة بديلٌ لجمع البيانات وتحليلها بالطرق التقليدية، بدلاً من أن تكون تكملة لها“. بل وجدوا أن خدمة تعقب اتجاهات الإنفلونزا من جوجل بالَغَت في تقدير حالات الإنفلونزا في الولايات المتحدة أيضًا.

وقال ليَزر لجريدة واشنطن بوست: ”ثمة كم هائل من الإمكانيات؛ ولكن، هناك احتمال كبير أيضًا لارتكاب أخطاء“.
 
بيانات الاستفادة منها أسهل؟

ومع ذلك، تخبرنا فانيسا أنه يمكن التحايل على تحديات الفجوة الرقمية باستقاء البيانات من مصادر أخرى. مثل مراجعة سجلات المكالمات الهاتفية –التي تحدد مكان إجراء مكالمات الهاتف المحمول، والرقم المطلوب، ومدة المكالمة، ومصاريفها– وهي متاحة بوفرة في بعض البلدان.

وترى فانيسا أن زيادة فرص حصول الباحثين على سجلات المكالمات الهاتفية من مجموعة واسعة من المواقع والشركات، من خلال مستودع رقمي مثلاً، من شأنه المساعدة على إنشاء قاعدة بيانات ضخمة لبحوث التنمية. وقد ساعدت بالفعل أنماط انتقال السكان -التي يمكن أن توضحها لنا سجلات المكالمات الهاتفية- على تعقُّب تفشي الملاريا في كينيا، والهجرة الطارئة في أعقاب زلزال هايتي عام 2010، وثمة محاولات جارية لاستخدامها لتخطيط البنية التحتية في ساحل العاج.[6]

لكن فرياس- مارتينيز، التي استخرجت في وقت سابق بيانات لشركات اتصالات متعددة الجنسيات، ترتاب في أن تخفف الشركات من قلقها إزاء الخصوصية والمنافسة التجارية.

وتقول فرياس: ”ما يمنعنا [من إنشاء مستودع] هو إقناع شركات الاتصالات بتبادل البيانات الخاصة بها.. إنهم يعدون بيانات سجلات المكالمات الهاتفية ميزة تنافسية“.

لكن المسؤول عن التنمية الدولية في شركة SAS المتخصصة في تحليل البيانات الضخمة؛ آي-ساه هسيه، يشعر بثقة أكبر. ويستشهد باتفاقية أُبرِمت عام 2013 بين مجموعات أمريكية وأوروبية في تجارة المستحضرات الصيدلانية؛ أطلقت يد الباحثين في الوصول إلى بيانات التجارب السريرية.

ويعتقد آي-ساه أنه حتى من دون تعاون الصناعة، يمكن تحقيق ”وجهات نظر رائعة“ بمجرد تحسين مستوى الاستفادة من مستودعات هائلة من معلومات تمتلكها الحكومات بالفعل في قواعد بيانات غير مترابطة.

يقول آي-ساه لشبكة  SciDev.Net: ”الخطوة الأولى لزيادة قيمة البيانات الضخمة هي مزامنة قواعد بياناتها وربطها، وبعد ذلك التفكير في الجمع بينها وبين تلال البيانات على وسائل الإعلام الاجتماعية وشبكة الإنترنت“.

واختتم حديثه قائلاً: إن عدم وجود أشخاص مدربين على التعامل بكفاءة مع مجموعات البيانات الضخمة يمثل مشكلة بالتأكيد، ولكن وجود تكنولوجيا تُقِيم روابط بين كميات ضخمة من البيانات سوف يجعل ”التحليلات بين أيدي الجماهير“. إن مساعدة عامة الناس على تحليل البيانات من شأنه أن يُفرِّغ المتخصصين للقيام بمهام أكثر تطلُّبًا.

إن الحواجز التي تحول بين صيرورة البيانات الضخمة إلى أداة مفيدة للتنمية عديدة وكبيرة، لكنها ليست مستعصية على الحل. ومع التفاف مجتمع التنمية حول دعوة الأمم المتحدة إلى ثورة في البيانات، هناك سبب يدعو للاعتقاد بأن البيانات الضخمة يمكن أن تفي بوعدها في السنوات القادمة.

التحليل منشور بالنسخة الدولية ضمن ملف بعنوان البيانات الضخمة من أجل التنمية يمكنكم مطالعته عبر العنوان التالي: 

 Big obstacles ahead for big data for development