الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • حول العالم العربي.. التعليم الرسمي لدينا قوة طاردة

    Hamed Ibrahim El-Mously

    04/09/15

نقاط للقراءة السريعة

  • الطريقة التي يجري بها تقديم العلم في التعليم الرسمي تكرِّس الانبهار الشديد بالإنجازات العلمية الغربية

  • يفرز نمط التعليم السائد لدينا نوعية من المتعلمين غير القادرين على التفاعل مع بيئاتهم الاجتماعية والحضارية

  • والمراد نظام يساعد المتعلم على غلق الدائرة بين التفكير والعمل والتطوير المستمر للفكر

 يتهم إبراهيم الموصلي التعليم الرسمي في بلدان المنطقة بأنه يطردُنا ويدفعنا دفعًا خارج دائرة وجودنا وانتمائنا الحضاري

تعلَّمنا في دروس الميكانيكا أن القوة الطاردة هي تلك القوة التي تؤثر على جسم يتحرك في مساره الدائري؛ فتخرجه بعيدًا عن مركز المسار. إنني أرى أن التعليم الرسمي لدينا يطردُنا ويدفعنا دفعًا خارج دائرة وجودنا وانتمائنا الحضاري.

ففي حضارة شعوب الإنويت بالقطب الشمالي يتعلَّم الأولاد كيفية التعامل مع السكين واستخدام القوس والرمح للصيد، وبناء المنزل من كتل الجليد، أما البنات فيتعلمن الطهو وكيفية حياكة الثياب وإصلاحها، وخلال حياتهم كلها يطبقون الأساليب التي تعلموها في طفولتهم، أي أن وظيفة التعليم هي إعداد الفرد كي يكون فاعلاً في سياقه الحضاري.

وسبق أن سُقت لكم في مقال مثالاً عاينته في إحدى دراساتي الميدانية بالساحل الشمالي الغربي في مصر؛ إذ كان مرافقي من أبناء المنطقة لا يعرف القراءة والكتابة، وعمره 17 سنة، لكنه على دراية مذهلة ببيئة المنطقة.

كان يعرف أسماء النباتات الصحراوية التي لم يعرف بعضها زميلي ورفيق الدراسة، وهو أستاذ مساعد في كلية الزراعة بجامعة عين شمس. كان الفتى يعرف استخداماتها المختلفة في العلاج، ويعرف الحيوانات البرية الموجودة في المنطقة، وأساليب اقتناصها، ويلم بالخصائص الجيولوجية للمنطقة، وبالعمق التقريبي الذي يوجد عليه الماء، وبالأساليب المحلية لحفر الآبار وإقامة السدود لاحتجاز الأمطار، التي يسمونها في الأدبيات العلمية طرق حصاد المياه.

كان ذلكم الأمي -وفقًا للمصطلح الشائع لدينا- على دراية واسعة بالكثير من المعارف العلمية والتكنولوجية عن بيئته، لا يعرفها أي خريج جامعة لدينا في التخصصات المناظرة.

ما فائدة التعليم في مدارسنا وجامعاتنا إن لم يساعد الفرد على مراجعة ما ورثه من خبرات ومعلومات بحكم انتمائه لمجتمعه المحلي؛ فيستبعد ما يثبُت خطؤه منها ويبني على ما يتيقن صوابه!

إنني أرى أن الطريقة التي يجري بها تقديم العلم في التعليم الرسمي لدينا بحسبانه نسقًا جاهزًا مستوردًا من الغرب يكرِّس الانبهار الشديد -الضار أحيانًا- بالإنجازات العلمية والتكنولوجية الغربية، ويُظهرنا بمظهر العاجز، خالي الوفاض علميًّا وتكنولوجيًّا، المستقبِل السلبي للمنجَزات الغربية.

وهذا يفقدنا الثقة في النفس بالمعنى الحضاري، ويضيِّع علينا الفرصة للإفادة -اقتصاديًّا وتنمويًّا- من قاعدة المعرفة التقليدية الواسعة التي تراكمت في مجتمعاتنا خلال مسيرتنا التاريخية الطويلة، والتي قد لا تأخذ بالضرورة نفس هيئة العلم التجريبي كما ظهر في الغرب.

زراية بتاريخنا

عن عطائنا في ميدان العلم، يذكر المؤرخ المنصف جورج سارتون، الذي يُعَد -بحق- أبو علم تاريخ العلوم ومؤسسه، أن ”بعض علماء العصور الوسطى كانوا ينتمون للحضارة العربية، من الرياضيين والفلكيين: الخوارزمي والفرجاني والبتاني وأبو الوفا وعمر الخيام والبيروني، ومن علماء الطبيعة: الرازي والإسرائيلي وعلي بن عباس وأبو القاسم وابن سينا والميمونيون. قليل من هؤلاء كانوا عربًا، لكنهم جميعًا كانوا ينتمون لنفس الجماعة الحضارية (الحضارة الإسلامية) وكانت لغتهم العربية، إذ كانت العربية هي اللغة العالمية للعلم“.[1]

ولا يعني كونهم أبناء ’الحضارة الإسلامية‘ أنهم كانوا كلهم مسلمين، بل كان هناك ثابت بن قرة، وآخرون من الصابئة، وآل بختيشوع وقسطا بن لوقا، وغيرهم من النصارى، وسند بن علي اليهودي الذي أسلم، ومحمد بن زكريا من المتشككة.

من نفس الزاوية يأخذ الفيلسوف والمؤرخ رشدي راشد على الكثيرين من المثقفين العرب ”تسليمهم بآراء المستشرقين عن ’غربية‘ منشأ العلم، وعن ظهور المنهج التجريبي وسيلة للبرهان لأول مرة خلال الثورة العلمية في عصر النهضة، وعن اقتصار دور العلماء العرب على ترجمة العلم اليوناني دون الإضافة إليه.[2]

وهو يرى أن هذه المحاولة ذات الخلفية الأيديولوجية لتنحية العلم العربي الإسلامي تضير في المقام الأول بتكوين فهم صحيح لتاريخ العلم، وأن ما ظهر حديثًا على يد الباحثين عن دور العلماء المسلمين مثل مؤيد الدين العرضي، ونصير الدين الطوسي، وقطب الدين الشيرازي، وابن الشاطر الدمشقي، وابن الهيثم، والخوارزمي، وبني موسى، والبيروني، ومَن سبق ذكرهم من غير المسلمين من أبناء الحضارة الإسلامية يؤكد أن العلم ينتمي إليها، وأنه قد ترعرع تحت لواء دولتها، ومن ثَم يمكن تسميته بالعلم الإسلامي، وأنه كان جزءًا من الممارسة الاجتماعية اليومية في مختلف مستويات المجتمع الإسلامي.

لم يظهر النشاط العلمي في دار الخلافة وبلاط الأمراء فحسب، ولم ينحصر في بيوت الحكمة والمراصد والمشافي والمدارس، بل ظهر أيضًا في الديوان وفي المسجد، ولم يسبق له مثيل في تاريخ العلوم من حيث التعدد الديني والقومي بين أفراد المدينة العلمية الإسلامية.
 
اغتراب وتغريب

إننا إن أردنا أن يكون العلم آلية فعَّالة للنهوض بمجتمعاتنا العربية فلا بد أن تكون له مشروعية لدى مواطنينا. يستلزم ذلك منا أن نتذكَّر ونُذكِّر بأن العلم كنشاط ومنهج له بدايات وسوابق لدينا، وأنه ليس غريبًا عن سياقنا الحضاري.

ومن أسف أن يصكَّ التعليم الرسمي لدينا نموذجًا للشخصية هو في الغالب نموذج المدير أو التكنوقراط، أو رجل الأعمال، لا المصلح الاجتماعي أو الثائر أو القائد السياسي، الذين قد نحتاج إليهم أيضًا لنهضتنا.

فالتعليم الرسمي لدينا بمركزيته الشديدة على مستوى المدارس والجامعات معدوم القدرة على الإحساس بالفوارق الحضارية والبيئية بين الأقاليم أو المحافظات المختلفة التي تضمها بلادنا، وهو بهذا يمثل قوة طاردة تعمل على تغريب الأطفال والشباب عن بيئتهم الحضارية، وعلى جذبهم إلى المدن الكبرى –أو للهجرة خارج أوطانهم- حيث يسود أسلوب الحياة الذي يتماشى أكثر مع محتوى التعليم الرسمي.

والحصاد النهائي للتعليم الرسمي في المرحلة الجامعية هو مقررات ومناهج تدريس منقولة نقلاً حرفيًّا تقريبًا عن مثيلاتها في دول الغرب، ولا يفرِّق بينها إلا التقادم؛ فنحن غير قادرين حاليًّا -علميًّا وتكنولوجيًّا- على مواكبة الغرب، وننقل عنه بفارق زمني، أي أننا نقف موقفًا سلفيًّا إزاء الغرب.

لقد أنجب ذلك النمط من التعليم نوعية من المتعلمين غير القادرين على التفاعل مع بيئاتهم الاجتماعية أو الحضارية.

إن اللغة ’العلمية‘ التي تُعد في كثير من الأحيان أحد مظاهر التمايز الاجتماعي في بلادنا، هي من زاوية أخرى جدران السجن الذي يفصل بين المتعلمين في بلادنا وبين عامة الناس، ويمنعهم من القيام بدورهم وأمانتهم في قيادة النهوض بمجتمعاتهم، بل ويحولهم إلى نماذج إنسانية عاجزة وباهتة ومغتربة في أوطانها.

ومن زاوية البحث العلمي فلقد أفرز ذلك النمط من التعليم أنظمة بحث علمي هي في الواقع تقليد أعمى للمؤسسات التعليمية في دول الغرب، سواء في اختيار البحوث العلمية وفي إجرائها، وهي منقطعة الصلة بأولوياتنا القومية، ما يمثل نوعًا جديدًا من نزيف العقول، نمارسه ونحن في بلادنا.

نظام جديد

رأيي أننا بحاجة إلى ثورة ثقافية في نظامنا التعليمي لا أقل، فلا يمكن أن نتكلم عن هدف تحقيق التنمية المستدامة لبلادنا العربية دون أن نضع في الاعتبار ضرورة التغيير الجذري للمقررات الدراسية، بدءًا من المدارس وصولاً للجامعات.

علمًا بأنه من المستحيل أن ننقل حرفيًّا مقررات أو برامج جاهزة من حضارات أو بلدان أخرى؛ فهدف التعليم من أجل التنمية المستدامة هو نقل المعرفة وغرس القيم والاتجاهات وإكساب المهارات المطلوبة؛ لتمكين الناس من القيام بالتغييرات المطلوبة لتحقيق الاستدامة.

كما أن هناك حاجة لدمج المعرفة التي طورتها المجتمعات المحلية عبر قرون مع المعرفة العلمية الحديثة؛ من أجل التوصل إلى تكنولوجيات مناسبة لتحقيق التنمية المستدامة.

والمراد هنا هو خلق حالة حوارية بين حامل التراث التقني وخريج الجامعة في التخصص المقابل: في الزراعة بين الفلاح ذي الخبرة الطويلة وخريج الجامعة، وبين مربي الإبل أو الماعز أو الماشية وخبير تنمية الثروة الحيوانية والطبيب البيطري إلى آخره؛ مما يحقق الفائدة لكليهما، وما ييسر التوصل إلى –وإبداع- تكنولوجيات مناسبة جديدة.

هناك ضرورة لإعادة الاعتبار للغتنا العربية في مجالات العلم والتكنولوجيا كافة، ما يسمح بالاستفادة من الموروث الحضاري لدينا وحصيلة الخبرات الحياتية المعاشة، وإعمال الفكر والخيال في إبداع حلول جديدة لمشكلاتنا.

وفيما يتعلق بالتعليم الفني بجميع مراحله، ثمة ضرورة لإعادة بنائه بما يتماشى مع الموارد المحلية المتاحة والخبرات التاريخية والميزات التنافسية للأقاليم والمحافظات، بما يسهم في مشاركة عامة الناس في تحقيق التنمية المستدامة.

ألا يتوجَّب علينا أن نغيِّر بوصلة توجُّهنا في إعادة بناء مناهجنا التعليمية لنتجه نحو الشرق بمعناه الواسع، ذلك الذي تجمعنا به قيم حضارية مشتركة، وتاريخ نضال من أجل الاستقلال، وأعني به البلدان الآسيوية. تلك البلدان كاليابان، وبدرجة أقل الصين والهند، لم تخضع للتأثير الغربي كما خضعت بلادنا، واستطاعت بذلك أن تحتفظ ببعض بنائها القيمي الحضاري، كما استطاعت أن تهضم مؤثرات علمية وتكنولوجية غربية دون أن تفقد كثيرًا من قوامها الحضاري وقواها الذاتية، بل إنها قد استطاعت تحقيق إنجازات علمية وتكنولوجية وتنموية مناظرة لما أنجزته العديد من الدول الصناعية بتكلفة اجتماعية وبيئية أقل كثيرًا من نظيرتها في الغرب.

ألا يتوجب علينا أن نقوي من صلاتنا بهذه الدول، وأن ننمي علاقات تعاون وشراكة في التعليم والبحث العلمي معها؟ بالإضافة لدول أمريكا اللاتينية، المقصود من ذلك إحداث توازن بين علاقتنا مع الشمال وعلاقتنا مع الجنوب من أجل الإسراع بالنهوض بمجتمعاتنا.

إنني أتساءل: هل يمكن للتعليم لدينا أن يرسم صورة للإنسان يظهر فيها منتميًا إلى دوائر متداخلة متزايدة الاتساع؛ تبدأ من مجتمعه المحلي فالقومي فالدائرة الإقليمية فالعالم أجمع، مع الوعي بالتشابكات بين هذه الدوائر؛ حتى يمكن تطبيق شعار: فكر عالميًّا واعمل محليًّا.

وأرنو إلى نظام تعليم يعمل على الربط بين –أو إيجاد صيغ للربط بين- دائرتي الفكر والعمل، بدءًا من مراحل التعليم الأولى وصولاً للتعليم الجامعي، مما يساعد المتعلم على غلق الدائرة بين التفكير والعمل والتطوير المستمر للفكر، ومن ثَم الانتقال إلى مستوى أعلى مما أسميه حركة الحلزون الصاعد.

 * الدكتور حامد إبراهيم الموصلي: أستاذ متفرغ بكلية الهندسة، جامعة عين شمس المصرية. رئيس مجلس إدارة الجمعية المصرية للتنمية الذاتية للمجتمعات المحلية.

 

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا