الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • الاستثمار في البشر وتأثيره على الزراعة المستدامة

    أنيتا ماكري

    24/10/13

نقاط للقراءة السريعة

  • محدودية الموارد تقيد التنمية الزراعية التي نفتقر إليها

  • تتيح مقاربات النظام البيئي وخبرات أصحاب الحيازات الصغيرة نموًّا محتملا

  • من الضروري تبادل المعرفة والتعاون بين التخصصات المختلفة

ينبغي أن تشتمل الزراعة المعدّلة على تقييم النظم الزراعية والأفكار الجديدة والتعلُّم من الممارسين.

إن تعريف الأمن الغذائي أمر صعب. وللتبسيط يمكن وصفه بإمكانية الوصول إلى قدر كاف من الغذاء. ولكن خلف هذه البساطة تكمن شبكة متداخلة من العوامل؛ من أسعار الغذاء إلى الممارسات الزراعية، والتغذية، والموارد الطبيعية، والتكنولوجيا، والتجارة، والتنمية الاجتماعية.
 
ورغم أن فك هذا التعقيد لمفرداته الأساسية المكونة له يعد أمرا مصطنعا، لكنه ضروري من أجل الفهم. من هذا المنطلق تركز مجموعة المقالات في هذا الملف على جانب واحد فقط من جوانب قضية الأمن الغذائي: وهو الزراعة المستدامة. نحن نبحث كيف يمكن للعلوم والتكنولوجيا أن تزيد من الإنتاجية الزراعية في إطار القيود البيئية ومحدودية الموارد. (نبحث في ملفات قادمة جوانب أخرى للأمن الغذائي).
 
وبالرغم من أن الإنتاجية الزراعية قد تغيرت بشكل ملحوظ على مدى نصف قرن مضى، مدفوعة جزئيًّا بالتطور في مجال العلوم والتكنولوجيا، إلا أن قيود هذا النمو أصبحت الآن واضحة؛ فندرة المياه وفقر التربة وتأثيرات تغير المناخ وتزايد الأفواه الجائعة، كلها من التحديات التي تواجه المزارعين في القرن الحادي والعشرين، خاصة أصحاب الحيازات الصغيرة الذين يزرعون معظم الغذاء المستهلك في دول العالم النامي.
 
حان وقت التعديل
 
ثمة مقالة للدكتورة زارين بيرفيز بهاروتشا، من جامعة إسيكس في المملكة المتحدة، توضح التحديات التي تواجهها الزراعة بسبب ندرة الموارد -ومن بينها الإرث البيئي للثورة الخضراء- وتبين الحاجة إلى تحولات جوهرية في العمل الزراعي.
 
وتتتبع بهاروتشا كيف ساهمت العلوم والتكنولوجيا في التنمية الزراعية، وتلخص التطورات الحديثة (مثل أصناف المحاصيل الجديدة التي تُفيد أصحاب الحيازات الصغيرة) وتعطي نبذة عن الأنظمة الزراعية البيئية التي تجمع بين الابتكارات التقنية وخطط الإدارة الاستراتيجية لتلائم الظروف المحلية في بعض الدول النامية.
 
وفي مقالات الرأي الثلاث الأولى، يقول عالم الزراعة والبيئة والباحث والمزارع فرناندو مونزوتي: إن العائلات والأسر التي تعمل بالزراعة يجب أن تكون هي محور أي خطة استراتيجية لإنتاج غذائي مُستدام، وإن علم البيئة الزراعية أكثر المقاربات واقعية. ويتحدث عن مد الجسور بين واقع الزراعة الأسرية ونقاشات الزراعة المُستدامة، قائلا: إنه بالرغم من كون علم البيئة الزراعية قضية واعدة، إلا أن تأثيرها لا يزال محدودا إلى الآن.
 
وفي مسعى لتوصيل أصوات النداءات المطالبة بنقلة نوعية في الزارعة، يدعو نورمان أبهوف، أستاذ الزراعة الحكومية والدولية في جامعة كورنيل بالولايات المتحدة، من خلال مقاله إلى تبني نهج بديل للعمل الزراعي يناسب الواقع الحالي والمستقبلي.
 
فالنموذج الخطي المعتاد (من المختبر إلى الأرض الزراعية) المتّبع في تطوير الابتكارات وتنفيذها يحتاج للتغيير، حسبما يقول أبهوف. وعلى العلماء والممارسين أن يتعلموا من الطرق والأفكار الحديثة مثل نظام تكثيف الأرز، وعليهم أن يحسنوا أداءهم في التعلم مع المزارعين ومنهم.
 
ويعرض تقرير لجويل وينستون أمثلة عديدة لابتكارات أبدعها مزارعون، ولتعاونٍ مثمرٍ بين أصحاب الحيازات الصغيرة والباحثين في دول العالم النامي. وفي بعض الحالات تطور الأمر إلى إنشاء مدارس حقلية للمزارعين، وهي بمنزلة شبكات تواصل لمشاركة الأفكار والمعرفة عبر المجتمعات الزراعية.
 
وهذه المبادرات تتحدى نموذج نقل التكنولوجيا من أعلى إلى أسفل، وتستفيد من خبرات المزارعين، وتسمح لهم بالتحكم في التقنيات التي يعتمدونها.
 
ما الذي ينجح حقا؟

هؤلاء الكُتاب يكشفون عن قناعات راسخة حول إمكانات نماذج الإنتاج الغذائي التي تركز على النظام البيئي الزراعي وأصحاب الحيازات الصغيرة. لكن كيف يعرف المزارعون والعلماء ما يصلح لهم؟
 
يكتب الباحث ديفيد سبيلمان -زميل المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية في الولايات المتحدة- أن فاعلية الأنظمة البيئية الزراعية قيد المناقشة. ففي حالة نظام تكثيف الأرز على سبيل المثال، يقول أبهوف: إنه قد حان وقت ترك الجدل جانبا والتسليم بالأدلة على تزايد إنتاجية المزارعين وتزايد شعبية هذا النظام الزراعي.
 
ويعتقد سبيلمان أنه بإمكان علماء الاقتصاد المساعدة في تقييم هذه الأدلة من أرض الواقع، أيا كان النهج الزراعي المتّبع. ولكن عليهم جميعا أن يعملوا بشكل وثيق مع علماء الزراعة.
 
إن أحد الشروط الأساسية لهذا التعاون ربما يتمثل في زيادة الاستثمار في جمع الأدلة، وهو ما يتطلب عناصر رصد وتقييم أكبر وأقوى لأي مشروعِ تنميةٍ زراعية. وقد أظهر مسح أجري عام 2009 لخبراء في الزراعة، ضعفَ عمليات الرصد والتقييم، في ظل ضآلة الحافز للوكالات الرسمية وغيرها من المنظمات لتكريس الموارد لهذه العمليات.[1]
 
ومن بين الطرق الأخرى لمعرفة ما يصلُح –وهو ما تفعله بعض الدول الأخرى بشكل سليم وتعلم كيفية تكراره- معرفة قصص النجاح ونشرها، حسبما يقول ستيف ويجن، من معهد التنمية لما وراء البحار في بريطانيا، خلال حديثه في أبريل الماضي بالمملكة المتحدة أمام "المجموعة البرلمانية لكافة الأحزاب" حول "الزراعة والغذاء من أجل التنمية".
 
الاستفادة من الأفضل
 
في مراجعة لعشرين قصة نجاح زراعية خضعت لتقييم لجنة دولية في عام 2009، وُجد أن تطبيق العلوم والتكنولوجيا كان أحد محددات النجاح[2]. وقد تضمنت دراسات الحالة أبحاثا وتحسينات لتقنيات متطورة لاستنبات المحاصيل، إلى جانب أدوات تتماشى مع ممارسات المزارعين التقليدية في إدارة الموارد.
 
وهذا يذكرنا بأن المقاربات العلمية التي كانت صالحة في القرن العشرين لم تعد ملائمة على الإطلاق. وليس من قبيل الصدفة أن تعمل مؤسسة 'بيل وميليندا جيتس' على التطوير في المجالات الحاسوبية التي تستهدف اختصار سنوات من عملية تطوير التراكيب الوراثية للمحاصيل المحسّنة.
 
لكن إلى أي مدى ستكون التقنية الحيوية أمرا مركزيا في التنمية الزراعية المستقبلية؟ يظل سؤالا مطروحا. وتختلف الإجابة بحسب الموقع والسياق ونوعية المحصول.
 
وبصفة عامة فإن مقالات هذا الملف تشير إلى أن التنمية الزراعية المستدامة لا يمكنها ببساطة تطبيق التكنولوجيا والابتكارات، سواء كانت منقولة أو مستحدثة محليا. إن العلوم والتكنولوجيا بإمكانها أن تمدنا بأدواتٍ ليقوم الأشخاص -المزارعون والعلماء والاقتصاديون وغيرهم من الشركاء- بتطويرها طبقا لاحتياجاتهم الخاصة. كما أن مشاركة المعرفة والتعاون ومنصات التعلُّم باتت بالغة الأهمية.
 
وينبغي ألا يأتي التقدم الزراعي من الاستثمار فقط في المقاربات العلمية، ولكن أيضا في الموارد البشرية. وهذا من شأنه أن يضمن استدامة نظم الإنتاج الزراعي، ويجبر الناس على الإبقاء عليها كذلك.

 
   SciDev.Net  أنيتا ماكري، محررة مقالات الرأي والتحليلات الخاصة بشبكة

الإفتتاحية منشورة بالنسخة الدولية ويمكن مطالعتها عبر العنوان التالي:
investing in people and evidence for sustainable farming



 
المقالة جزء من ملف بعنوان: نحو استدامة إنتاج الغذاء