الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • خطة للقضاء على ختان الإناث

    Maha Mahmoud Saleh

    10/12/15

نقاط للقراءة السريعة

  • ’القانون لا يغير التقاليد‘، والسبيل للقضاء على ختان الإناث يكون بالإقناع

  • تغيير سلوك اجتماعي متغلغل في ثقافة مُمارِسيه يحتاج بالضرورة إلى بعض الوقت

  • العمل للقضاء على ختان الإناث يكون من خلال الثقافة المحلية، لا بمواجهتها

اعتماد استراتيجيات متعددة، تقنع وتشجع على الامتناع عن هذه الممارسة هو السبيل للقضاء على ختان الإناث في رأي مها صالح
 
حسنًا فعلت الأمم المتحدة إذ قررت أن تمتد فعالياتها وأنشطتها في اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة في الخامس والعشرين من نوفمبر، إلى العاشر من ديسمبر، وهو اليوم العالمي لحقوق الإنسان، حتى تضع الأمر في إطاره الصحيح، فلا شك أن العنف ضد المرأة هو في حقيقة الأمر انتهاك صارخ للعديد من حقوق الإنسان.[1][2]

ما تسميه المنظمة الدولية في أدبياتها: ”تشويه الأعضاء التناسلية للأنثى“، وهو بلا شك واحد من أشكال العنف ضد المرأة وضد الطفل أيضًا، يقع القضاء عليه ضمن الهدف الخامس لخطتها للتنمية المستدامة حتى عام 2030، وعنوانه: ”تحقيق المساواة بين الجنسين...“، وهي تعده، أي الختان، واحدًا من ”الممارسات الضارة“، مثله في ذلك مثل زواج الأطفال والزواج المبكر والزواج القسري.[3] لكن هل حقًّا يعد الختان مجرد ”ممارسة ضارة“ يكفي أن تُسن القوانين التي تجرمها حتى يمتنع عامة الناس عن ممارستها؟ كما نمنع التدخين في الأماكن المغلقة مثلًا؟!

لقد أصدرت بعض الدول قوانين تجرم الختان، كانت آخرها نيجيريا (2015)، ومنها أيضًا مصر التي لديها واحد من أعلى معدلات ختان الإناث في العالم، والتي أصدرت عام 2008 قانونًا يوقع عقوبات جنائية على ممارسيه، ورغم ذلك فإن نسبة إجراء الختان لم تزل مرتفعة في مصر بما لا يقل عن 85%.[4][5][6][7]

”القانون وحده لا يستطيع تغيير سلوكيات أفراد مجتمع ما“

                       مها محمود صالح
نعم، التعامل مع ختان الإناث باعتباره مجرد ”ممارسة ضارة“ هو تبسيط مخل للموضوع، فهذه الممارسة تتعدد دوافعها لدى المجموعات الدينية والثقافية والعرقية التي تمارسها، لكنها في كل الأحوال ترتبط في أعماق ممارسيها بمفاهيم إيجابية في البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها، مثل: الطهارة والعفة والالتزام بالأخلاق الحميدة والقيم الدينية، بل والعذرية في بعض الأحيان.[8] فما هو يا ترى تفسير لجوء بعض الحكومات لسن قوانين تجرم ممارسات لها هذا الوجود القوي في الثقافة العميقة لمجتمعاتها؟

الحظر والتجريم يكون لاحقًا

يرى بعض المحللين أن بعض هذه القوانين صدرت في ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته تحت وطأة الضغط الدولي للالتزام بحقوق الإنسان، وثمة وجهة نظر أخرى تتلخص في أن الحكومات تصدر مثل هذه القوانين كنوع من إبراء الذمة، ثم تتهم شعوبها أنها السبب في عدم تحقيق التغيير المنشود، وذلك لتمسكها بثقافتها التقليدية وعدم الانصياع لتلك القوانين.[9][10]

أيًّا كان الأمر فإن القانون وحده لا يستطيع تغيير سلوكيات أفراد مجتمع ما، أو على حد تعبير إحدى المتخصصات: ”القانون لا يغير التقاليد“، ولا شك أن هذا صحيح، خصوصًا في تلك المجتمعات التي تتسم مشاعرها بالسلبية تجاه حكوماتها، وما تدعو إليه من أفكار وممارسات، كما هو الحال في منطقتنا العربية.[11]

وفي حالة مصر، لم يمتنع الأهالي عن تلك الممارسة بعد صدور القانون، إنما لجأوا لغير المؤهلين للقيام بها، أو لأطباء في أماكن غير مناسبة، مما أدى إلى تعريض مزيد من الفتيات لمزيد من المخاطر على صحتهن وحياتهن.[11] بل وإلى خلق بؤر لانطلاق مشاكل صحية جديدة، فيروس سي على سبيل المثال.[12]

الرأي عندي أنه في مثل هذا الموضوع، يجب اعتماد استراتيجيات متعددة، تساعد على إقناع المزيد من الأسر وتشجيعها على الامتناع عن هذه الممارسة ، ثم بعد البدء في إحراز نتائج إيجابية يمكن تطبيق قانون يحظر الختان، ويطبق حينئذٍ، على تلك القلة التي تصر على ممارسته.

المكافحة على مراحل

ولأن تغيير سلوك اجتماعي متغلغل في ثقافة مُمارِسيه يحتاج بالضرورة إلى بعض الوقت، فسيكون من المفيد تحديد أهداف مرحلية والعمل على تحقيقها واحدًا تلو الآخر، حتى يتم في نهاية الأمر الوصول إلى النتيجة المرجوة، ويمكن الاستعانة بالتشريع القانوني للمساعدة في ذلك الأمر.

يمكن، على سبيل المثال، أن يكون هدف المرحلة الأولى منع عمليات الختان للإناث أقل من سن معين، يحدده الباحثون الاجتماعيون والمتخصصون في مجالات الممارسة الطبية، أو يكون هدفها التأكد من قصر إجراء عمليات الختان على مؤسسات طبية لديها إمكانات طبية مناسبة.[11]

وفي الوقت ذاته من الضروري أن يعاد النظر في كل من: وسائل مخاطبة الجماعات المستهدفة، والمحتوى الذي يجب تقديمه لهم للوصول إلى التأثير المطلوب، وتحديد الأفراد الذين يجب توجيه الخطاب إليهم، مع الالتزام بمبدأ شديد الأهمية عبرت عنه اليونيسف في أحد مؤتمراتها في 2013، وهو: ”العمل مع التقاليد الثقافية المحلية وليس ضدها“.[12] وكل ذلك، بطبيعة الحال، استنادًا إلى نتائج الدراسات الميدانية والإحصاءات التي تقوم بها المنظمة الدولية والمؤسسات المحلية، وكذلك على التجارب الناجحة في القضاء على هذه الممارسة أو تقليل حجمها في مجتمع ما.

مثلاً، تؤكد الدراسات والمسوح الاجتماعية التي أجرتها اليونيسف أن الدوافع لإجراء الختان تتعدد في المجتمع الواحد، وأن هناك كتلة لا يستهان بها ليست مقتنعة بشكل شخصي بضرورة إجراء الختان، لكنها تعتبره التزامًا اجتماعيًّا لا سبيل إلى تجاهله.[13]

وهذا كله يستدعي أن تجد الجهات العاملة في هذا المجال وسائل مناسبة للدخول في مناقشات مفتوحة يعبر فيها أفراد المجتمع عن آرائهم واستفساراتهم ومخاوفهم، ويتم الرد عليها بشكل مباشر، يفند من ناحية ما قد يتضمنه كلامهم من أخطاء أو سوء فهم، ويُمد -على الجانب الآخر- بعض المترددين أو الخاضعين للضغوط الاجتماعية، بالثقة اللازمة لإعلان رفضهم هذه الممارسات، ثم تكوين كتلة من الرافضين تشجع الآخرين على الانضمام إليهم وإعلانهم جميعًا نبذَهم هذه الممارسة الضارة.

حوار لا صدام

ولكي يأتي هذا الحوار المشار إليه بالنتائج المرجوة، من الضروري أيضًا الاهتمام بإعداد القائمين عليه والمشاركين فيه، مثل القادة الدينيين والثقافيين لمجتمع ما، وكذلك العاملين في المجال الطبي في هذا المجتمع، مثل الأطباء والزائرات الصحيات.

”هناك كتلة لا يستهان بها ليست مقتنعة بشكل شخصي بضرورة إجراء الختان، لكنها تعتبره التزامًا اجتماعيًّا لا سبيل إلى تجاهله“

                    اليونيسف


وفيما يخص التجربة المصرية فإن بعض الباحثين والدارسين يشيرون إلى تورط كثير من الأطباء في مصر في إجراء الختان، رغم تجريمه، باعتبار ذلك مؤشرًا سلبيًّا، على حين أعتقد أنه خطوة في الاتجاه الصحيح؛ إذ يعني أن هناك اتجاهًا قويًّا من الأهالي لمحاولة توفير أفضل ظروف طبية لبناتهن لإجراء جراحة يرون أنها ضرورية.[14]

وعلى الجانب الآخر يجب أن يلفت هذا الاتجاه انتباهنا إلى الدور الذي يمكن، بل ويجب، أن يؤديه أعضاء المهنة الطبية في مناهضة الختان، فبدلاً من توجيه الجهد لمطاردة الأطباء الذين يقومون بإجراء الختان، رغم تجريمه، لا بد من العمل على دمجهم في خطط المناهضة.

قد يبدو هذا كلامًا منطقيًّا لا يحتاج إلى إثبات، لكن إذا علمنا أن ’الختان‘ لا يُمَثِّل موضوعًا للدراسة في كليات الطب المصرية، لا باعتباره جراحة تُجرى لاعتبارات ثقافية، بصرف النظر عن الضرورة الطبية، ولا باعتباره، وهو الأهم، ممارسة منتشرة في المجتمع المصري تسبب أضرارًا مؤكدة في مقابل بعض الفوائد المزعومة، فإننا سنفهم لماذا لا يجد بعض هؤلاء حرجًا في إجراء هذه الجراحة ’المحلية‘، حتى إن بعضهم لا يكتفي بإجرائها لمرضاه، وإنما يصر على إجرائها لبناته، بل وأعرف منهم مَن يقوم بذلك بنفسه!

وينطبق الأمر نفسه على اللاتي يمتهنّ إجراء الختان للفتيات في المجتمعات الريفية، فيجب العمل على جذبهن إلى أن يكن من المشاركين في مناهضة الختان، بدلاً من أن يكن من الممارسات له، وهناك تجارب ناجحة سابقة لمثل هذا التحول في بعض دول أفريقيا التي ينتشر بها الختان.[15]

أما المشاركون في مثل هذا الحوار من طرف الأسرة، فأظن أهمهم هو الأم، وأحيانًا الجدة، فغالبًا ما تكون إحداهما أو كلاهما هي الطرف المُصِرّ على إجراء الختان لفتيات الأسرة، وهو إصرار غريب من ضحية سابقة لإيقاع الألم القاسي بضحية جديدة، وفي اعتقادي أن المحاورين لمثل هذه الأم إذا نجحوا في فهم دوافعها، وتصحيح ما يعلق بذهنها من أفكار خطأ وسوء فهم، فسيمكنهم أن يكسبوا إلى صفهم مؤيدًا قويًّا قادرًا على إقناع كثير من الأمهات الأخريات بالكف عن إجراء هذه الممارسة الضارة على بناتهن.

نموذج ناجح

لم يبقَ إلا أن أشير إلى تجربة بعض قرى كردستان العراق، ومنها قرية توتكال التي أعلنت عام 2013 نجاحها في القضاء على ممارسة الختان (ختانة) فيها، وذلك بعد صدور قانون تجريم الختان عام 2011. وكانت هذه النتيجة محصلة مجهود سنوات قامت به جمعية ’WADI‘ الخيرية، في عدة قرى في المنطقة بعد اكتشافها –بالصدفة- أن ’الختانة‘ منتشرة في تلك القرى.

بدأ المشروع بمبادرة من رئيس الجمعية، وقامت جهود التواصل مع الأهالي على حوارات شخصية عبر فيها الجميع عن تجاربهم ورؤاهم ومخاوفهم وتساؤلاتهم، وليس على ندوات رسمية عامة، قد تنقلها وسائل الإعلام المختلفة، ولكنها تفشل في الوصول إلى قلوب المستمعين وعقولهم، ويصعب فيها، بل يستحيل على الأهالي –المستمعين- أن يعبروا فيها عن تساؤلاتهم وأفكارهم المرتبكة فيما يخص الموضوع.[16]

ومما يدل على أهمية العمل من خلال الثقافة المحلية وليس في مواجهتها، أن نقطة التحول الحقيقية في استجابة الأهالي كانت فتوى لزعيم ديني كردي يحظى بثقة الأهالي، أكد فيها بوضوح، أن هذه الممارسة هي عادة متوارثة وليست فرضًا دينيًّا، وكذلك ما أعلنه عمدة القرية من شعور بالفخر لأن قريته هي أول قرية تقضي على هذه الممارسة الضارة.[17]

أما الدرس الأخير فنتلقاه من حكومة كردستان العراق، التي قررت فيما يبدو أن تنتهج أسلوب المكافأة بدلاً من العقاب في التعامل مع الأمر، فأمدت القرية بمدرسة جديدة ومزيد من الكهرباء بعد نجاحها في القضاء على الختان.


هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

 
مها محمود صالح: خبيرة بلجنة الأدب العربي في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، حاصلة على دكتوراة في الأدب العربي، ودبلومة في تدريس العربية للناطقين بغيرها. درست اللغة العربية والأدب العربي للطلاب الجامعيين من أبناء العربية ومن الناطقين بغيرها. مارست العمل الصحفي في مجال النقد الأدبي والثقافة بوجه عام، وشاركت في إصدار عدة أعمال ببليوجرافية في مجال الأدب العربي الحديث.