الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • تحديات في مواجهة البنوك الحيوية بالمنطقة

    Ahmed Samir

    18/02/16

نقاط للقراءة السريعة

  • ثمة حقوق للمشاركين في البنوك الحيوية وللمجتمع ينبغي صيانتها والعمل على ضمان تأديتها

  • القبول المجتمعي لمشاركة محتوى البنوك الحيوية بالمنطقة بين الدول العربية والغربية مثار جدل

  • ما من إجابات حاسمة عن التساؤلات المطروحة حول القضايا والمشكلات ذات الصلة

قضاياها ومشكلاتها، لا سيما الأخلاقية منها، بحاجة إلى حلول تتناسب وقيم مجتمعاتنا العربية، كما يقول أحمد سمير

رغم الحداثة النسبية لمفهوم البنوك الحيوية، إذ ظهر التعبير عنها بالأوراق البحثية للمرة الأولى عام 1996، إلا أن ’صناعة‘ البنوك الحيوية قد شهدت تطورًا كبيرًا خلال السنوات التالية، ما جعل مجلة التايم في عام 2009 تعده واحدة من عشر أفكار تغير العالم؛ لأنها: ستغير الطريقة التي نرى بها تطور الأمراض.[1]
 
وبالإضافة إلى دعمها الأبحاثَ العلمية في مجال ’الطب الشخصي‘، فإن البنوك الحيوية ما هي إلا المؤسسات المشاركة في جمع وحفظ وتخزين أنواع مختلفة من العينات البيولوجية والبيانات ذات الصلة لأغراض إكلينيكية وبحثية، وتتمثل المهمة الرئيسية لهذه البنوك في توزيع تلك العينات والبيانات للباحثين؛ للاستخدام العلمي والسريري.[2]
 
وفي السنوات الأخيرة أنشئ العديد من البنوك الحيوية بأنواعها المختلفة في مصر والأردن وقطر والسودان وتونس والمملكة العربية السعودية، وغيرها من دول المنطقة؛ لدعم البحث العلمي في المجالات الطبية. لكن القيام بهذه الوظائف يواجه الكثير من التحديات. 
 
من بين تلك التحديات نشوء العديد من القضايا الأخلاقية والقانونية والاجتماعية المرتبطة بعمل هذه البنوك.
 
صيانة الحقوق
 
يعد الحصول على موافقة المشاركين الخطوة الأولى في بناء رصيد البنك الحيوي من العينات والمعلومات الخاصة بها؛ إذ صارت الموافقة المستنيرة للمشارك خطوة رئيسية في أي عمل بحثي يتعلق بالبشر. بموجب الموافقة المستنيرة تقدم كافة المعلومات بشأن البحث المقصود إلى المشاركين المحتملين أو بدائلهم المخولين قانونًا، كما يُمنحون الفرصة لطرح الأسئلة وإجابتها قبل الحصول على الموافقة وتوثيقها.[3]
 
لكن قد يكون تطبيق ذلك صعبًا في حالة البنوك الحيوية؛ نظرًا لأن العينات والمعلومات التي يجري جمعها عادة لا تُستخدم في بحث معين، وإنما تُحفظ للاستخدام في عدة أبحاث مختلفة مستقبلًا؛ لذلك دار العديد من المناقشات حول كمية وطبيعة المعلومات التي ينبغي توفيرها عند طلب الموافقة على المشاركة في البنوك الحيوية. 
 
يمثل استخدام ما يُعرف بالموافقة الموسعة أحد الحلول التي يمكن استخدامها في البنوك الحيوية، لكن الموافقة الموسعة لا تعني موافقة مطلقة، إذ يجب أن تشمل تفاصيل حول طبيعة البنك الحيوي، والأمراض التي قد يقوم بدراستها، وطبيعة الأبحاث التي يمكن استخدام هذه العينات فيها مستقبلا. 
 
كما يجب إيضاح الوسائل التي تحمي خصوصية المعلومات الخاصة بالمشارك، ومنع استخدامها فيما قد يضره أو يتعارض مع قيمه الثقافية والدينية والأخلاقية. كذلك يجب ضمان أن جميع الأبحاث التي يتم استخدام العينات والمعلومات فيها لن تتعارض بأي صورة مع موافقة المشارك المحفوظة داخل البنك.[4]
 
لكن مشاكل إضافية قد تبرز بوجه خاص في العالم العربي، فمع قلة المحتوى العلمي المتداول باللغة العربية، يمثل طرح بعض المسائل العلمية المتعلقة بالأبحاث على المشاركين من الجمهور صعوبة جمة؛ لذلك لا بد من بذل المتخصصين مزيدًا من الجهد في توضيح هذه المسائل للجمهور بشكل مبسط وغير مخل عبر وسائل التواصل المختلفة، للمساهمة في زيادة الوعي لدى المجتمع، وتيسير إيجاد حلول للعديد من المشكلات المتعلقة بها.
 
مشاركة العينات والمعلومات بين الدول
 
شهدت أنشطة البحوث الطبية زيادة مطردة منذ أوائل ثمانينيات القرن العشرين؛ لذلك أصبح نقل العينات عبر الحدود لأغراض البحث نشاطًا شائعًا في السنوات الأخيرة. لكن مشاركة العينات والمعلومات البحثية بين الدول تثير العديد من المسائل الاجتماعية والقانونية والأخلاقية. 
 
ففي اجتماع الجمعية العمومية لشبكة البنوك الحيوية في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، الذي عُقد في مقر منظمة الصحة العالمية بفرنسا في نوفمبر الماضي، دار نقاش جمع عددًا من العاملين في مجال البنوك الحيوية من عدة دول، وأثيرت مسألة القبول المجتمعي لمشاركة العينات بين الدول العربية والغربية.
 
ففي حين لم يحبذ المصريون بصفة عامة مشاركة هذه العينات مع الدول الغربية، لا يجد الأردنيون غضاضة في هذا الأمر، وفضل التونسيون إجراء الأبحاث على عيناتهم في الخارج؛ لثقتهم في كفاءة البحث العملي في هذه الدول. وهذا البعد يمثل عنصرًا مهمًّا تجب مراعاته عند مناقشة هذه المسألة، فلا بد من مراعاة الاختلافات بين المجتمعات.
 
يمثل الجانب القانوني عنصرًا آخر؛ إذ صاحب تطور هذا التعاون بزوغ ما يسمى ’اتفاقات نقل المواد‘ لتنظيم نقل العينات والبيانات المتعلقة بين المؤسسات والدول. فظهور البنوك الحيوية بحسبانها مؤسسات وسيطة في البحث العلمي يثير المزيد من النقاشات حول حقوق النشر العلمي الناتج من مشاركة هذه العينات والمعلومات عبر الدول. 
 
كذلك ثار الجدل حول حقوق الملكية الفكرية وبراءات الاختراع الناتجة عن هذه الأبحاث، خاصة أن حركة انتقال هذه العينات تجري عادة من الدول النامية إلى الدول المتقدمة، وهو ما قد يعطي الباحثين في الأخيرة مزايا تنافسية على تلك الحقوق.[5][6]
 
لذا فالنقاشات بين المؤسسات البحثية المحلية والدولية من جهة، والنقاشات بين صانعي القرار والمؤسسات القانونية من جهة أخرى تمثل حاجة ملحة لضمان تبادل علمي عادل، وحفظ حقوق الجهات البحثية والباحثين المحليين.
 
تسويق البنوك الحيوية
 
على الرغم من أن المهمة الرئيسية للبنوك الحيوية هي دعم البحوث الطبية، إلا أن التمويل يمثل تحديًا أمام البنك الحيوي لضمان الاستمرارية. 
 
تسعى شركات الأدوية إلى الحصول على العينات والمعلومات للقيام بأبحاث لإنتاج وسائل تشخيصية أو علاجية ذات قيمة تجارية من خلال المشاركة مع البنوك الحيوية، وهو ما يثير جدلًا حول العديد من القضايا المترتبة علي هذا التعاون، مثل مسألة الموافقة المستنيرة والخصوصية، وقد يؤدي إلى فقدان ثقة العامة في هذه البنوك، خاصة التي أنشئت بتمويل حكومي أو تتبع مؤسسات بحثية عامة.[7]
 
في المقابل ثَم من يرى أن هذا التعاون ضروري؛ لأنه يمثل منفعة للبنك الحيوي من جهة، ولأن نتيجة هذه الأبحاث ستكون مفيدة للمجتمع من جهة أخرى. 
 
ولا توجد إجابات حاسمة عن التساؤلات المطروحة حول تلك المسائل والقضايا، كما تتفاوت التشريعات بين الدول بخصوص هذا الأمر. 
 
في العالم العربي قد يكون من المفيد أن تسعى البنوك الحيوية إلى البحث عن مصادر مختلفة للتمويل والاستدامة عن طريق المنح والمشاريع البحثية، مع طرح هذه القضايا للنقاش داخل المجتمع العلمي وخارجه؛ للوصول إلى حلول وصيغة مقبولة للتعاون مع المؤسسات ذات الصبغة التجارية.
 
إن البنوك الحيوية تمثل مؤسسات واعدة يمكن أن تسهم بشكل كبير في تطور البحث العلمي الطبي في العالم العربي، لا من خلال دعم الباحثين بالعينات والمعلومات البحثية بجودة مناسبة فحسب، لكن أيضًا عبر إثارة العديد من الأمور المتعلقة بإدارة البحث العلمي، بما في ذلك القضايا الأخلاقية والاجتماعية والمالية، والتي لا بد للباحثين وصانعي القرار من مناقشة جوانبها المختلفة للوصول إلى حلول تتناسب مع قيم المجتمع العربي.
 
** أحمد سمير: مدرس مساعد بقسم الباثولوجيا الإكلينكية، المعهد القومي للأورام ، جامعة القاهرة. عضو في الفريق المسؤول عن إنشاء البنك الحيوي بمعهد الأورام القومي بمصر. له عدة أبحاث في المؤتمرات والمجلات الدولية عن قضايا الجودة والأخلاقيات و الاقتصاديات في البنوك الحيوية.