الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • أنعام الرعاة الرحل بإقليم الساحل مفتاح تحسين صحتهم

    أشرف أمين

    12/10/13

نقاط للقراءة السريعة

  • معظم أفراد الرعاة الرحل بإقليم الساحل يعانون مشاكل صحية، ويُترك أكثرهم بلا علاج

  • أنعامهم هي مصدر ثروتهم، ومنشأ أمراضهم، ومحل اهتمامهم، وعليها مدار حياتهم

  • الرعاة يفضلون المطببين المحليين على المراكز الصحية، والتوعية أثمرت مع بعضهم

بعد بحث ميداني دام 15 عاما عن الحالة الصحية لقبائل الرعاة الرُّحَّل بإقليم الساحل في أفريقيا، طرح فريق دولي نتائج دراسة عن أسباب مشكلاتهم الصحية، وتوصيات لحلها.

ضم فريق البحث أطباء وبيطريين وأحيائيين وجغرافيين واختصاصيين في علم الإنسان، وتناول وضع الرعاة الرحل وحاجاتهم بالدراسة، التي نشرت الشهر الماضي بدورية طب المناطق الاستوائية والصحة الدولية.

مول الدراسة وأعدها المعهد السويسرى للصحة العامة وطب المناطق الاستوائية، ومؤسسة سويسرا للتنمية، وشارك فيها باحثون، وجهات صحية وبيطرية من دول الإقليم. كما أسهمت بعض المؤسسات الأهلية الأوربية ببعض المنح المالية والعينية.

كان من أهم ما رصدته الدراسة من عوامل تؤثر في صحة الرعاة البالغ عددهم نحو 30 مليون نسمة، الارتحال الموسمي لهذه القبائل المنتشرة من الصومال إلى موريتانيا، وإبعاد النجعة، بحثا عن موارد الرعي من الكلأ والماء والمِلح.

وخلصت الدراسة إلى أن معظم أفراد تلك القبائل يعانون مشاكل صحية، ويُترك أكثرهم بلا علاج، مؤكدة أنه نادرا ما يُرى أحدهم في المراكز الصحية.

يقول الدكتور جاكوب زينستاج، الباحث الرئيس بالدراسة: "إن معدل الوفيات بين مواليد هذه المجتمعات عال جدا، ولا يتعدى المواليد الجدد الذين يجتازون السنة الخامسة من عمرهم نسبة 72% فقط".

أيضا انتهت الدراسة إلى أن هؤلاء الرعاة الرحل يعرفون الشيء الكثير عن صحة أنعامهم، لكنهم يعرفون القليل جدا عن صحة الإنسان. وأشار الخبراء المشاركين إلى أن الاتصال الوثيق بين الإنسان والحيوان في هذه المجتمعات أهم سبب لانتشار العدوى بينهم.

من ثم وجدت الدراسة تماهيًا بين إصابات أفراد الرعاة الرحل بأمراض تصيب الإبل العربية والمعز، مثل الحمى المالطية، والجمرة الخبيثة، وحمى الاستفهام. كما وجدت أن نساء الرعاة أقل إصابة بالحمى المالطية من رجالهم؛ نظرا لأنهم يقومون بأعمال القِبالة والإجهاض للأنعام، ويتعرضون باللمس لأنسجة الحيوانات ومفرزاتها، خاصة المهبلية منها.

وكشفت أيضا أن سلالة البكتيريا المسببة لمرض الدرن تصيب أنعامهم، وحكى الباحثون أن الرعاة دُهشوا بشدة عندما علموا أنه يصيب الحيوانات أيضا؛ إذ يرونه مرضا بشريا وراثيا، كما يعدونه عضالاً، لا شفاء منه ولا علاج له.

من هنا أوصت الدراسة بأن تقوم مكافحة المرض على المزاوجة بين التعاطي الطبي الحيوي، والمقاربة الثقافية الاجتماعية.

وللحد من انتشار هذه الأمراض، ونقلا للمعرفة السليمة للسيدات والرجال بالقبائل الرعوية، قام الفريق البحثي بعقد جلسات مناقشة دورية بين المجموعات صاحبة المصلحة المشتركة، مثل ممثلي القبائل والمسئولين الحكوميين والعلماء.

وأكد جاكوب لموقع  SciDev.Net "أن النقاشات أسهمت في طرح حلول مبتكرة وغير نمطية، حيث أدركنا أن الأولوية عند القبائل الرعوية هي توفير التطعيمات والعلاجات لماشيتهم، مصدر الدخل الأساسي لهم".

لذلك أوصت الدراسة بتبني برامج تطعيم تستهدف الحيوان والإنسان معا، عندما أثبت الرصد الميداني أن عدد الماشية التي تحصل على التطعيمات، أكثر من الأطفال وحديثي الولادة.

كذلك أجرى فريق الباحثين تجربة المتابعة الطبية عن بعد باستخدام الهواتف المحمولة، وأثبتت نجاحها.

يقول الدكتور نجاندولو بونجو ناري، الباحث بمعهد الأبحاث البيطرية والرعوية في تشاد: "إن توافر الهواتف المحمولة أسهم في زيادة الوعى الصحى لبعض القبائل الرعوية، وأيضا فى تسهيل عملية التواصل والاستشارات الطبية عن بعد بين القبائل والأطباء".

وجاء في الدراسة أن الأحوال المناخية المتطرفة تجعلهم أكثر عرضة للمرض، فأثناء مواسم الجفاف تتسبب الحرارة والغبار في أمراض الجهاز التنفسي، وهي شائعة بشدة بين الأطفال دون الخامسة، بينما في المواسم المطيرة، تنتشر الحمى الشديدة، والإسهال؛ لتعذر وصولهم إلى مياه آمنة للشرب.

بحسب الدراسة أيضا، نادرا ما تذهب النساء للمراكز الصحية من أجل الولادة، أو لتلقي رعاية الحوامل. ولا تشملهم برامج التطعيم قَط.  

وفي الإقليم، يعتمد الرعاة الرحل في تغذيتهم على الألبان والحبوب التي يشترونها من أرباح بيع الألبان. ومع امتداد مواسم الجفاف في الإقليم، يعاني سوءَ التغذية الكثير من نسائهم وأطفالهم؛ لقلة الكلأ في المرعى، بسبب ندرة الأمطار. كذلك لا يتناولون الخضروات والفواكه الطازجة، ولنقص الألبان تظهر عليهم أعراض العوز، لا سيما في فيتامين أ.

خصت الدراسة تناول الألبان غير المعقمة واللحوم غير المطهوة جيدا بمزيد التركيز؛ لدورها في نقل العدوى.

ورغم التباين الشديد بين مجتمعات الرعاة الرحل في الإقليم، إلا أنهم ضعاف الصحة عموما -كما تشير الدراسة- ولا يصلون إلى الخدمات الصحية، ولا تصل إليهم بسبب ارتحالهم.

تشيع بين هؤلاء الرعاة عادات وتقاليد صحية تعتمد على المعالجين المحليين، غير المؤهلين، وباعة الأدوية المحلية، ولا يتلقون رعاية صحية مؤسسية من الدول. كذلك غالبا ما تبعد المستشفيات عن طرقهم للرعي؛ إذ تتركز في المدن الكبرى بعيدًا عن المراعي.

ويتوجس الرعاة الرحل خيفة من الرعاية الصحية المؤسسية، لذا يفضلون ممارسي التطبيب المحليين على المراكز الصحية، التي لا تزورها إلا الحالات الخطيرة أو المتقدمة جدا، حيث لا يجدي -غالبا- علاج، ولا تفيد رعاية.

ولخصت مآل هذه الأحوال امرأة من الطوارق عندما قالت: "المستشفيات للموت فقط".


طالع الدراسة

 Health of mobile pastoralists in the Sahel – assessment of 15 years of research and development


هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط