الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • ثقافة الابتكار وصناعة العِلم

    Saleh Al-Shair

    10/01/16

نقاط للقراءة السريعة

  • الابتكار لا يغني شيئًا إذا بُتر عن البحث العلمي

  • لا يمكن الاهتمام بالابتكار مع غياب استراتيجيات الإفادة بالبحوث العلمية وبراءات الاختراع

  • الموهوبون كثر، لكن تدريبهم وتأهيلهم علميًّا هو الذي يضمن استمرارهم في الابتكار

برامج الابتكار العربية ربما تعكس ظاهرة إعلامية دعائية معلبة أكثر من كونها نهضة علمية مدروسة، في رأي صالح الشاعر.

’أسبوع الابتكار‘ في الإمارات، و’نجوم العلوم‘ في قطر، و’القاهرة تبتكر‘ في مصر، و’مؤسسة موهبة‘ في السعودية، و’برامج دعم الابتكار‘ في سلطنة عُمان، كلها برامج تعكس توجهًا عربيًّا عامًّا إلى اكتشاف الموهوبين، وتبني مواهبهم واحتضان ابتكاراتهم وصولا بها إلى التطبيق.

وفي الواقع يخلو مؤشر الابتكار العالمي 2015 من أي إشارة إيجابية لصعود عربي، باستثناء المملكة العربية السعودية، التي صُنفت في المرتبة الثالثة بين دول شمال أفريقيا وغرب آسيا، على الرغم من ترتيبها الثالث والأربعين بين 141 دولة شملها المؤشر.[1]

يثير هذا التناقض تساؤلات حول حقيقة برامج الابتكار في الدول العربية، وما إذا كانت تعكس ظاهرة إعلامية دعائية معلبة أكثر من كونها نهضة علمية وابتكارية مدروسة، فهل يمكن معالجة نقص ثقافة الابتكار في المنطقة بطريقة برامج صناعة النجوم؟

وهل المشكلة في وجود الابتكارات وعدمها؟ ومَن المستفيد من هذه المبادرات؟ وكم منها سيتحقق على أرض الواقع؟ هذه أسئلة يجب طرحها والإجابة عنها؛ لوضع اليد على مفتاح الدخول إلى عالم جديد، حيث تنمو الابتكارات، وتسير في طريقها الصحيح، إلى تطوير المجتمع، وإحداث نهضة حقيقية، أساسها صناعة العِلم.

صناعة العلم مفتاح التقدم

وعملية صناعة العِلم هي أفضل أشكال الاستثمار، وهي مفتاح لتقدم حقيقي يحدث تنمية، وعن طريقها يمكن حل مشكلات الغذاء والمياه والزراعة والطاقة، وحفظ الثروات الطبيعية، بالاقتصاد المبني على المعرفة والابتكار، كما عبر الأمين العام للأمم المتحدة: ”استمد كل نجاح في مجال التنمية إلى حد كبير من المعرفة والتكنولوجيا والأفكار وتكييفها مع الظروف المحلية، بعبارة أخرى: من خلال ابتكار“.[2]

”استمد كل نجاح في مجال التنمية إلى حد كبير من المعرفة والتكنولوجيا والأفكار وتكييفها مع الظروف المحلية، بعبارة أخرى: من خلال ابتكار“

الأمين العام للأمم المتحدة
والابتكار في غاية أمره جزء من النشاط العلمي، بما يعني أنه لا يغني شيئًا إذا بُتر عن البحث العلمي، كما هو الحال في الفنون التمثيلية والموسيقية والإلقائية، التي لا تغني الموهبة فيها عن الدراسة والتدريب والانغماس في أبعاد الصناعة للوصول إلى نتيجة مرضية.

والبحث العلمي في عمومه يتفرع إلى فرعين: البحث العلمي الأكاديمي، والبحث العلمي الصناعي، وهذا الأخير ذو أهمية خاصة لدعم الإبداع، ولو أخذنا اليابان مثالا فهي من أكثر الدول استثمارًا في البحث والتطوير، بل إن مخصصاتها المالية للبحث والتطوير في بعض الشركات والمؤسسات ربما تساوي رأس المال الاستثماري أو تزيد عليه، فأين يوجد هذا النوع من البحث في دول المنطقة؟

وليس بمنطقي أن يكون الاهتمام بالابتكار في دائرة الضوء حين تغيب استراتيجيات الاستفادة بالبحوث العلمية وبراءات الاختراع، وتنقطع صلتها بالمؤسسات الأكاديمية، وهذا ما فتح الباب أمام العبث الإعلامي المتكرر حول ابتكارات واختراعات ليس لكثير منها سند علمي صحيح.

مراحل دعم الابتكار

الابتكار فكرة ذكية، ووجود الأفكار الذكية أمر أساسي، ولكن هذه الأفكار الذكية يجب أن تمر بمراحل عدة، فأول المراحل ربطها بمفاهيم العلم، من خلال الترابط بين مؤسسات دعم الابتكار من جهة، والجامعات والمعاهد والمراكز البحثية من جهة أخرى؛ لضبط مفاهيم الابتكار، ورعاية مسيرته نحو التطبيق، وحمايته من الخروج عن المسار العلمي؛ حتى لا يصبح تسويقًا للدجل.[3]

فإذا ما ضُبط مسار الابتكار، وأجريت الدراسات والبحوث الأساسية والتطبيقية اللازمة له، وفق منهج علمي سليم، وصل إلى مرحلة التقييم من جميع الجوانب، بمعرفة مزاياه النسبية وتوافقه مع المجتمع، ودرجة التعقيد، والخطر المحيط به، والتكاليف... إلخ.

 وإذا انتهت مرحلة التقييم، كان دور مراكز صناعة القرار بتبنيه وضمان بقائه، من خلال دعمه والإنفاق عليه إلى أن يتحقق على أرض الواقع، واستمرار هذا الدعم في جميع مراحله.

وبعد القرار يصل الابتكار إلى طور التطبيق، من خلال الإجراءات التنفيذية، وتخصيص الموارد اللازمة للتنفيذ، كالمعلومات والوقت والمال والأفراد، ويتضمن التطبيق تهيئة الابتكار وتكييفه وفقًا لاحتياج الجهة المستفيدة، ويتطلب التعاون بين الجهات الحكومية والخاصة في معظم الأحيان.

"يجب إخضاع الموهوبين للتدريب المكثف، الذي يستنفر حواسهم، ويستفز مهاراتهم وقدراتهم إلى آفاق جديدة، في بيئة تعليمية تدريبية مناسبة، مع متخصصين أكْفاء في مجالهم"

صالح الشاعر
 
وفي خضم تلك المراحل يجب حماية الابتكار من أمور قد تعوقه، وقد توقفه تمامًا، كما هو المعتاد، فقد لا يكون الابتكار محققًا للمتوقَّع منه، وقد يظهر ما هو أحدث منه أو أكثر تأثيرًا أو أقل كلفة، وقد يحول نقص الموارد المادية دون تطبيقه أو الاستمرار فيه، وقد تتدخل كيانات تجارية أو منظمات لإيقافه خوفًا على مصالحها، وهذه الحماية من شأن الجهات السيادية التي تضع القوانين والأنظمة الكفيلة بذلك.

كما أن غياب سياسات الملكية الفكرية يعد عقبة أخرى أمام صناعة الابتكار ينبغي تذليلها، فقوانين الملكية الفكرية موجودة في الدول العربية، بين حماية حق المؤلف وبراءات الاختراع، والعلامات التجارية، وغيرها، لكنها تعاني قصورًا شديدًا ونقصًا في التطوير، وغيابًا في الاستراتيجيات، ولا توضع في إطارات مؤسسية وتنظيمية بحيث تتحول إلى سياسات، وهذا القصور سيظل عقبة أمام انتقال الابتكار من المؤسسات العلمية والبحثية إلى القطاع الصناعي.

رعاية المبتكرين مبدأ

وبالإضافة إلى ذلك يجب إرساء مبدأ تدريب الكوادر، وهو أهم المهمات في نظري، فالموهوبون كثر، لكن تدريبهم وتأهيلهم علميًّا هو الذي يضمن استمرارهم في الابتكار وتطور مهاراتهم وقدراتهم، بالإضافة إلى وضع ابتكاراتهم في طريق التحقق الذي يعود بالفائدة على جميع الأطراف.

وليس من العسير وضع استراتيجية لرعاية الأذكياء والمتفوقين والمبتكرين، تتضمن أمورًا، منها: ضمان خضوعهم لبرامج أكاديمية متخصصة، واكتسابهم المعلومات اللازمة لتنمية ابتكاراتهم، والمنهجية السليمة في التفكير والتطبيق، وأسس البحث العلمي؛ إذ لا ينبغي أن تقتصر معلومات المبتكر في مجاله على ما حصله في المرحلة الثانوية بالإضافة إلى قراءاته الخاصة، أو أن تكون الفوضى والمصادفة منهجيات معتمدة لديه.

أيضًا يجب إخضاع الموهوبين للتدريب المكثف، الذي يستنفر حواسهم، ويستفز مهاراتهم وقدراتهم إلى آفاق جديدة، في بيئة تعليمية تدريبية مناسبة، مع متخصصين أكْفاء في مجالهم.

 كما ينبغي ضمان تواصل المبتكرين مع الأكاديميين المتميزين في مجالهم، لإرشادهم وتوجيههم، وإشراكهم في الأعمال البحثية حين يكونون مؤهَّلين لذلك، فالخبرة الأكاديمية لا غنى عنها في صناعة الابتكار المبني على العلم، والمزاوجة بين الابتكار والبحوث الأكاديمية من شأنها توجيه الابتكار؛ ليتحول إلى مشاريع أو يسهم في حل مشكلات قائمة.

وبعد ذلك تدخل اختراعاتهم مجال الصناعة، التي تمثل الوسيط بين الابتكار والجمهور، وهي أحد المستفيدين أيضًا، ولها الدور الأكبر في تحقيق الاختراعات والابتكارات وإيصال نفعها إلى العموم.

يقول المثل: ”لا تضع العربة أمام الحصان“، فإذا انتهينا من كل الخطوات السابقة –وليس قبلها- كان لنا أن نتجه إلى الإعلام لنعلن عن صناعة مبتكرين وإنتاج ابتكارات، وهو عنصر لا جدال في أهميته لصناعة الابتكار، تبعًا لمفاهيم التسويق للمنتَج، وإعلام الجمهور بالإنجاز العلمي الوطني، وبث روح الأمل والتفاؤل، على أن تسود مبادئ ’الإعلام العلمي‘ وليس الدعائي؛ لتقديم عمل ذي جودة.

إن الاهتمام بالابتكار والإبداع أمر في غاية الأهمية، لكنه يجب أن يكون جزءًا من صناعة العِلم، حتى لا يتحول إلى عبث لا يفرز إلا ثقوبًا سوداء، خلف واجهة براقة لصناعة النجوم.
 
 
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

* صالح الشاعر: المحرر والمدقق اللغوي للنسخة العربية من SciDev.Net. حاصل على دكتوراه النحو والصرف والعروض من كلية دار العلوم– جامعة القاهرة.