الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • على الطريق.. مكافحة الملاريا باليخضور وضوء الشمس

    حازم بدر

    16/10/14

نقاط للقراءة السريعة

  • مصريان يستخدمان اليخضور وضوء الشمس للقضاء على يرقات بعوضة الأنوفليس الناقلة للملاريا

  • نجاحات ميدانية بالسودان وإثيوبيا وأوغندا. جنوب السودان والصومال تدعوانهما لتطبيقها هناك

  • تحفظات على الطريقة تستبعد تطبيقها على نطاق واسع

[القاهرة] نصف سكان العالم تقريبًا يواجه خطر الإصابة بمرض الملاريا. بلغة الأرقام يدنو عدد هؤلاء من 3.3 مليارات نسمة. والأسلوب الوقائي الرئيس حتى الآن في الحد من سريان الملاريا هو مكافحة نواقلها.

بل إن مكافحة البعوض الناقلة لدغاته للملاريا تمثل التدخل الوحيد الكفيل بخفض سريان المرض من مستويات عالية للغاية إلى مستويات قريبة من الصفر، كما تقرر منظمة الصحة العالمية.

هذا على الصعيد المجتمعي، أما بالنسبة للأفراد، فإن الحماية الشخصية من لدغات البعوض تمثل خط الدفاع الأول للوقاية من المرض.

تبدأ إذًا معظم الطرق بمكافحة البعوض نفسه، ومن أحدثها جهد بحثي للدكتور محمود هاشم عبد القادر، أستاذ الكيمياء الضوئية ورئيس الجامعة الألمانية بالقاهرة، والدكتور طارق الطيب من المعهد القومي لعلوم الليزر بجامعة القاهرة أسفر عن ابتكار جديد للمقاومة عن طريق قطع دورة حياة البعوض.

الابتكار يستخدم مشتقات اليخضور (الكلوروفيل) وضوء الشمس، لا للقضاء على يرقات بعوض الأنوفيل الناقل للملاريا فحسب، بل يقضي كذلك على نواقل داء الفيل (الفيلاريا) وحمى الضنك، وهما بعوضتا الكيولكس والأيديس على الترتيب.

”الابتكار يستفيد من سطوع شمس أفريقيا في محاصرة المرض“

طارق الطيب، أستاذ البيولوجيا الضوئية 


بيد أن الملاريا ضحاياها وقتلاها كثر، فقد قدرت منظمة الصحة العالمية عدد إصاباتها عام 2012 بنحو 207 ملايين حالة، وعدد وفياتها بنحو 627 ألفًا، بينهم 482 ألف طفل دون الخامسة، أي بمعدل طفل واحد كل دقيقة تقريبًا. 90٪ من جميع الوفيات الناجمة عن الملاريا تحدث في أفريقيا جنوب الصحراء.

لذا كانت جهود ثلاث سنوات متصلة من العمل في المختبر والتجارب الميدانية بالمستنقعات الموبوءة في إثيوبيا وأوغندا والسودان ومسطحاتها المائية منصبة على يرقات البعوض الناقل للملاريا.

ومنذ عام 2011 والتجارب تظهر نجاحًا في مكافحة نواقل الأمراض الثلاثة.

بالنسبة للملاريا، تضع البعوضة البالغة بيضها على سطح المسطحات المائية الراكدة الرطبة الدافئة، ويفقس البيض بعد يوم أو يومين، لتخرج يرقات تمر بأطوار قبل أن تتحول إلى حشرة بالغة.

والملاريا تنتقل بواسطة الإناث، فعندما تلدغ بعوضة مصابًا بالمرض تمتص طفيل المتصورة (البلازموديوم) المسبب للمرض من دمه، وبعد نضجه خلال أسبوع، ينتقل إلى غددها اللعابية، وحين تلدغ هذه البعوضة شخصًا سليمًا ينتقل الطفيل إلى دمه.

والابتكار ”يستفيد من سطوع شمس أفريقيا في محاصرة المرض“، كما يشرح طارق الطيب.

لشبكة SciDev.Net يضيف أستاذ البيولوجيا الضوئية بقسم تطبيقات الليزر في القياسات والكيمياء الضوئية والزراعة قائلاً: ”وسيلة طبيعية لا تخلف أي أضرار بيئية“.

تجارب أوغندا مثلاً كشفت عن عدم تأثر الأعداء الطبيعيين الذين يغتذون على يرقات البعوض مثل يرقات اليعاسيب.

غوصًا في تفاصيل الابتكار يقول الطيب: ”استخلصنا الكلوروفيل من النبات الأخضر، وحولناه إلى مسحوق يرش في أماكن وجود اليرقات“.

”تصعد اليرقات إلى سطح المياه لحاجتها إلى الأكسجين، فتغتذي على المسحوق الذي صُنع بخواص تجعله يطفو على سطح الماء“، كما يقول الطيب.

”أقل تكلفة وأكثر نجاحًا في الفتك بالبعوض“

محمد رجائي، أستاذ الحشرات 


ويستطرد شارحًا: ”وظيفة الكلوروفيل امتصاص الضوء وتحويله لطاقة في عملية التمثيل الضوئي، وبدلاً من ذلك تنتقل تلك الطاقة إلى الأكسجين الذائب في الماء، فينشط لتحوله إلى أكسجين أحادي ذي طاقة زائدة، يتخلص منها في المكان نفسه بالتفاعل مع الجزيئات الحيوية في خلايا اليرقة التي اغتذت عليه، فيقضي عليها تماما“.

وبينت النتائج أن معدل وفيات اليرقات تراوح بين 85% إلى 100​​%، في حين لم تتأثر الكائنات الأحيائية الأخرى، التي كانت موجودة في نفس المستنقعات.

ويرى السيد عبد المجيد الغريب -أستاذ الكيمياء الفيزيائية بالمعهد القومي لعلوم الليزر بجامعة القاهرة- أن الفكرة ”ناجحة نظريًّا، لكنها على المستوى التطبيقي تبدو مستحيلة التنفيذ“.

يقول الغريب لشبكة SciDev.Net: ”أجزم بنجاح الفكرة على مساحة صغيرة جدًّا، ولكن رش المسحوق في كل الترع والمصارف والمستنقعات للسيطرة على الملاريا، أمر صعب للغاية“، متسائلاً عن كمية المسحوق ودورية الرش.

وينبه الغريب إلى أن الكلوروفيل يحتاج استخراجه لزراعات تخصص لهذا الغرض، ما يخصم من الأراضي الزراعية المنتجة للغذاء، فتنتفي الجدوى الاقتصادية، لا سيما والدول الموبوءة فقيرة بالأساس.

بالمقابل، تحمس محمد رجائي -أستاذ الحشرات بالمركز القومي للبحوث في مصر- للفكرة، ووصفها بأنها ”إنجاز علمي يستفيد من نظرية المستحثات الضوئية“.

ومقارنتها بالطرق الحيوية الآمنة الأخرى، كما يقول رجائي لشبكة SciDev.Net تجعلها ”أقل تكلفة وأكثر نجاحًا في الفتك بالبعوض“.

يرد الطيب على الغريب بقوله: ”الدول ستقوم بتنفيذها، ومن ثم فإن القول باستحالة تغطية كل الترع والمصارف والمستنقعات، يبدو غير منطقي“.

أما ما يتعلق بالتكلفة، فمصادر اليخضور ”ليست الزراعات الغذائية فقط، بل يمكن استخلاصه من المخلفات الزراعية“.

ويواصل الطيب ردوده: ”فعالية المسحوق تستمر حتى 21 يومًا، كما أن عملية استخراج المسحوق نفسها غير مكلفة على الإطلاق، إذا وضعنا في الاعتبار أن الابتكار سيطبق على نطاق واسع“.

رغم التحفظ أو التشكيك فقد أسس الباحثان شركة مصرية، وقعت مؤخرًا بروتوكول تعاون مع حكومة جنوب السودان لتطبيقه عندها، كما تلقيا دعوة من الصومال للغرض نفسه. والشهر المقبل يطير إلى جنيف الدكتور عبد القادر لعرض البحث المختبري والميداني ونتائجهما على منظمة الصحة العالمية.

طالع ملخص الدراسة 
 
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.