الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • Flickr/ World Bank/ Arne Hoel

  • ضد هجرة الأدمغة

    Rafid Alaa Alkhazay

    20/12/15

نقاط للقراءة السريعة

  • يتصدر عوامل طرد الكفاءات والكوادر العلمية الشعور بالغبن وتعطيل القدرات البحثية والمنهجية

  • تصطدم تجارب جذب الكفاءات المهاجرة بانعدام الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي

  • إشراك الكفاءات المهاجرة في منظومة البحث العلمي الوطنية يعضد فكرة الاستقطاب

الحفاظ على الكوادر والكفاءات العلمية الصامدة في بلدانها، يشد من عزم جذب الطيور المهاجرة، كما يقول رافد الخزاعي.

من أهم التحديات التي تواجهها الدول النامية -أو التي يُطلق عليها دول العالم الثالث- هجرة الكفاءات النشطة من حملة الشهادات العليا وأصحاب الخبرات إلى الدول المتقدمة.

إن وجوه المشكلة تتعدد وتتنوع، ربما بعدد دول المنطقة، وبينها قواسم مشتركة، كما أن لكل منها شيئًا من خصوصية، ومن ثَم فإني سأنطلق في طرحي للرصد والحل من خبرتي ببلدي، والذي يصلح سحب أغلبه على الكثير من البلدان الأخرى.
debate 3

تتجلى المشكلة بوضوح في دولة مثل العراق؛ فهي تتقدم الدول المصدرة للكفاءات، ولو تبصرنا بالإحصاءات عبر العقود الستة الماضية لعرفنا الكم الكبير والثروة المفقودة من الأدمغة، فالعراق شهد عدة موجات هجرة طاردة للكفاءات.
 
موجات هجرة
 
بدأت الأولى مع عام 1940 من خلال تهجير اليهود العراقيين، الذين كانوا يشكلون وقتها نسبة متقدمة من كفاءات العراق العلمية والطبية والثقافية، مما ترك فراغًا واضحًا في البنية العلمية العراقية وقتها.
 
تلتها الموجة الثانية في عام 1958 بعد تغيير الحكم الملكي بالحكم الجمهوري، وما تبعه من صراع دموي على السلطة عام 1963، إذ هاجرت أعداد كبيرة من الكفاءات.
 
وفي المدة ما بين 1979-1991 شهدت البلاد استمرار الهجرة وامتناع الأكاديميين عن العودة للعراق بعد إتمام دراساتهم الأكاديمية في الخارج على حساب الدولة، وأسهمت سياسة النظام الانفرادية في الحكم والحرب في هجرتهم رغم الدعم المالي للمؤسسات التعليمية والبحثية، وقرارات التكريم المتعددة للبحوث الناجحة، وكان لعلماء الطاقة الذرية النصيب الأكبر في التكريم والتضييق معًا، مخافة هجرتهم.
 

تلبية متطلبات الكفاءات الصامدة من الأجور العادلة والموازية لأقرانهم في الدول الأخرى على أقل تقدير، سيحد من الهجرة

موجة أخرى للهجرة كانت في أثناء الحصار الاقتصادي الذي فُرض بعد اجتياح القوات العراقية الكويت.
 
ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ومعه العنف الطائفي وعدم الاستقرار الأمني؛ لتشهد البلاد الاستنزاف الأكبر للعقول من خلال الهجرة والقتل، حيث شهدت هذه الحقبة حملة شعواء لتصفية الكفاءات العلمية، فبعد أقل من عام على الغزو قُتل حوالي 250 أكاديميًّا، وبحلول نهاية عام 2006، وصل العدد إلى أكثر من 470 أكاديميًّا.[1]
 
ووثقت الحملة الإسبانية لمناهضة الاحتلال ومن أجل سيادة العراق أسماء بعض القتلى في قائمة تضم 324 أكاديميًّا.
 
محاولة يائسة
 
خلال تلك الموجات المتعاقبة لم تشهد البلاد سوى محاولة واحدة يتيمة لجذب الكفاءات وإعادة توطينهم، لكن لم يُكتب لها النجاح.
 
ففي عام 1974 تهيأت السبل والبيئة القابلة للإبداع والتطور، سواء من قرارات وامتيازات أقرتها الدولة لجذب الكفاءات والحد من الهجرة، ولكن هذه المحاولة نجحت في خطواتها الأولى وتعثرت بسبب الحرب العراقية الإيرانية، بالإضافة إلى السياسة التي اتبعها النظام من خلال تسييس الجامعات.
 
استراتيجيات للبقاء والجذب
 
تصطدم دومًا التجارب الجاذبة للكفاءات المهاجرة بعقبات عدم الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي من جهة، والشعور بالغبن والاضطهاد وتعطيل القدرات البحثية والمنهجية للتطور العلمي من جهة أخرى.
 
ولكي نكون واقعيين في الطرح، لا منظرين خياليين نضع خططًا على الورق ليست قابلة للتنفيذ وإنما للاستهلاك الإعلامي والسياسي، علينا الطرح بمحورين: الأول هو كيفية الحفاظ على الكوادر والكفاءات العلمية الصامدة في بلدانها رغم الظروف المحبطة والتهديدات وعدم الشعور بالبيئة الآمنة، فهذا الطرح سيعزز المحور الثاني، وهو عملية جذب الكفاءات المهاجرة.
 
إن تلبية متطلبات الكفاءات الصامدة من الأجور العادلة والموازية لأقرانهم في الدول الأخرى على أقل تقدير، سيحد من الهجرة، بل قد يشجع على العودة، كما على الدولة أن تضع خططا لتعزيز الأمن الذاتي من خلال بناء المجمعات السكنية اللائقة والملبية للطموح، وفق تخطيط عصري للمدن الجامعية يجعل من استقرارهم حافزًا للإبداع والتفوق.
 

تأسيس دائرة أو هيئة خاصة بالكفاءات العلمية المهاجرة، تنسق مع دوائر الدولة المخلتفة المعنية بالكفاءات تأخذ على عاتقها مسؤولية أرشفة وحصر أعداد جميع الكفاءات العلمية المهاجرة

أيضًا إصلاح المنظومة الاجتماعية عامل أساسي، فمن بين أهم تحديات جذب الكفاءات صدمة العقول المهاجرة عندما ترى قوانين العدالة الاجتماعية واحترام الإنسان وحريته وكرامته، والتنافس الشريف في الحصول على الوظيفة وفق الكفاءة والمقدرة العلمية ضمن برنامج الانصهار الاجتماعي في دول المهجر، التي يكون جواز نجاح الإنسان فيها عطاءه ومقدرته العلمية، لا إثنيته أو جنسيته أو قوميته أو ديانته.
 
قد تكون الآمال كلها معلقة باستقرار نظم الحكم السياسية وأخذ زمام المبادرة لإطلاق مشروعات التنمية، ولكن حتى لا نكون محبطين أو يائسين علينا اتباع استراتيجية قصيرة الأمد، أساسها مد الجسور بين كفاءات الداخل والخارج عبر مؤسسات حكومية تُعنى بذلك، ومنظمات علمية وأكاديمية يمكن من خلالها تحقيق تواصل علمي، من تدريب وإجراء بحوث تشاركية، عبر منظومة سهلة مقننة بقوانين تتيح الحرية الفكرية وتقلل البيروقراطية في التعامل.
 
السبيل إلى ذلك تكون من خلال تأسيس دائرة أو هيئة خاصة بالكفاءات العلمية المهاجرة، تنسق مع دوائر الدولة المخلتفة المعنية بالكفاءات، مثل رابطة التدريسيين الجامعيين أو بيت الحكمة أو المجمع العلمي العراقي، تأخذ على عاتقها مسؤولية أرشفة وحصر أعداد جميع الكفاءات العلمية المهاجرة، والتي في نيتها الهجرة، وتصنيفهم حسب الاختصاصات وفق الأساليب الحديثة، وجمع ملخص (سيرة ذاتية) لكل منهم، بحيث يسهل الرجوع إليها للاستفادة من خبراتهم في المشروعات التنموية.
 
توفير عقود عمل ومعيشة مناسبة لهم، بالتنسيق مع الدول الخارجية، ودعوتهم لاستشارات فنية يرتبطون من خلالها بالمشروعات المهمة التي تقام في أثناء مناقشة خطط التنمية أو دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروعات المختلفة، أو التعاقد معهم لفترات محددة برواتب مجزية في إطار تنفيذ تلك المشروعات.
 
ويستمر التواصل مع الكفاءات المهاجرة من خلال الاعتماد عليهم كحلقة وصل، لتزويد البلاد بكل ما هو جديد من المؤلفات والإنتاج الفكري والعلمي والتكنولوجي؛ تعويضًا للحرمان العلمي والثقافي، ومعاصرة الثورة العلمية للقرن الحادي والعشرين، بالإضافة إلى دعوتهم لإلقاء المحاضرات والمشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية في مجالات تخصصهم، وتسهيل لقائهم مع زملائهم في التخصص وفي مراكز البحث والجامعات العراقية.
 
إشراك الكفاءات المهاجرة في منظومة البحث العلمي يعضد فكرة الاستقطاب، من خلال دعوة المتميزين منهم ليكونوا أعضاء في مجالس البحث العلمي ولجان التخطيط في البلاد.
 
إن مهارات هذه الكفاءات وعلومهم وخبراتهم تشكل مفاتيح التنمية في شتى الميادين، إذا ما أُحسن استثمارها في الأماكن المناسبة، وقيمتها في ازدياد متسارع ومطرد، تتجاوز كل الحسابات في المنظومة التعليمية والمالية، فهي تشكل ثقلاً علميًّا وثقافيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا في الساحة الأكاديمية والإنتاجية.
 
المقال جزء من حلقة نقاشية بعنوان العقول ثروة مفقودة.. هل من سبيل لاستعادتها؟‘ ستعقد بتاريخ الأحد الموافق 27 ديسمبر 2015 الساعة الواحدة ظهرا بتوقيت مكة المكرمة.

** رافد علاء الخزاعي: أستاذ الطب الباطني المساعد في كلية الطب بالجامعة المستنصرية في بغداد.
 

هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.