الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • ’سيزامي‘ مركز أبحاث دولي يجسد دبلوماسية العلم بالمنطقة

    Tareq Al Hmaidi

    05/12/15
 
في إقليم ملتهب تعصف به الصراعات والحروب، ظهر مشروع يشكل تجربة فريدة جمعت علماء أكثر الدول خلافًا على المستوى السياسي؛ ليعملوا جنبًا إلى جنب على أبحاث تخدم الإنسانية.
 
ففي الوقت الذي لم يكن يتخيل أحد أن يجلس سياسيان أحدهما إيراني والآخر إسرائيلي على طاولة مشتركة، استطاع مشروع ضوء السنكروترون للعلوم التجريبية وتطبيقاتها في الشرق الأوسط ’SESAME‘ أن يجمعهما في مركز بحوث يبعد 35 كيلومترًا شمال غرب العاصمة الأردنية عمان، تحديدًا في بلدة علان بمحافظة البلقاء.
 
مندوب قبرص يجلس مقابل المندوب التركي، وعالم إسرائيلي يجلس بجوار عالم من فلسطين وآخر من إيران وباكستان، ”هذا ما فعله المشروع العلمي الذي أسقط الحدود الجغرافية وذابت معه كل الفروق والخلافات السياسية؛ ليتحدث الجميع بهدوء وبلغة علمية“، هكذا وصف كريس سميث -رئيس مجلس إدارة المشروع- الأجواء في المركز.
 
 وقال في ورقة قدمها خلال المنتدى الإقليمي لدبلوماسية العلوم والتكنولوجيا: نحو شراكات تحويلية شاملة من أجل مستقبل مستدام، والذي عُقد في الأردن أول يومين من ديسمبر الجاري: ”المشروع أدى دورًا جريئًا في بث السلام من خلال العلم، وشكَّل فرصة للتغلب على بعض العداء بين الدول في المنطقة، وهو دور يمارسه العلماء فقط من خلال دبلوماسية العلوم“.
 
استلهم المشروع فكرته من المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية CERN، وهي المنظمة التي أُنشئت في جنيف، على الحدود الفرنسية السويسرية، عام 1952، والتي وُلدت أيضًا في وقت كانت تعاني فيه الدول الأوروبية توترات سياسية سببتها الحرب العالمية الثانية، قبل أن تنجح المنظمة في تخطي كل تلك الصعوبات، وتخلق مناخًا إيجابيًّا تسوده لغة العلم والسلام.
 
تم افتتاح مشروع ’سيزامي‘ رسميًّا في عام 2002 تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، بهدف نشر ثقافة السلام من خلال التعاون الدولي في مجال العلوم، ومد جسور علمية وثقافية بين المجتمعات المختلفة، وذلك من خلال السماح للباحثين بالعمل معًا والتعاون في منطقة يُعتبر التعاون فيها محدودًا جدًّا على مستوى الأبحاث المتقدمة.
 
المشروع فيزيائي نووي، وهو الأول من نوعه في المنطقة، وسيتم من خلاله إنتاج أشعة السنكروترون -وهو نوع خاص من مسرعات الجسيمات- لتصل إلى سرعة قريبة جدًّا من سرعة الضوء، ويمكن استخدامها في تطبيقات مختلفة تخدم حقول الطبّ وأبحاث الطاقة والبيئة والأبحاث العلميّة البحتة في الكيمياء والفيزياء، ما يخدم الإنسانية ويمنح الأمل في مستقبل أفضل للإقليم.
 
لم يقتصر التعاون على المستوى الإقليمي في المشروع، بل تعدى ذلك إلى حالة فريدة من التعاون الدولي، فبعد أن تبرعت ألمانيا بجزء من الأدوات الرئيسية للمشروع، تبرعت كل من إسبانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وتركيا، وباكستان، وقبرص، وإيطاليا، وسويسرا، وإسرائيل بالعديد من المعدات لإنجاح المشروع.
 
كما تشارك كل من فرنسا، ألمانيا، اليونان، إيطاليا، اليابان، الكويت، البرتغال، روسيا، السويد، سويسرا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة كدول مراقبة، بالإضافة إلى الهيئات العالمية مثل اليونسكو.
 
يوضح سميث أهم مميزات المشروع، قائلا لشبكة SciDev.Net: ”يحافظ المشروع على الكفاءات في هذا الإقليم، ويحد من هجرة الأدمغة بعد أن وفر لهم منصة للتعلم والتشبيك وتنمية القدرات وإجراء البحوث وتعزيز مخرجاتها“.
 
وأضاف: ”عمل المشروع على تدريب 35 من العلماء الشباب في المنطقة، ووفر لهم البيئة المناسبة، بالإضافة إلى ابتعاث بعضهم للتدريب في مؤسسات بحثية مشابهة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا“، وهو ما يعود بالفائدة على مجتمعاتهم وأوطانهم.
 
وبالرغم من النجاحات التي حققها المشروع، تشكل الأوضاع السياسية الراهنة بالمنطقة أهم التحديات، وتؤثر على سير العمل بالمشروع، يقول سميث: ”العقوبات التي لا تزال مفروضة على إيران تعوق إرسال الأموال التي وافقت البلاد على الإسهام بها للمشروع، والبالغة 5 ملايين دولار أمريكي“.
 
كما أن تغيُّر الحكومات بشكل متسارع في المنطقة -كما هو الحال في مصر- يعوق التوصل إلى اتفاق معها لإشراكها بشكل أكبر في المشروع وتحمُّل جزء من النفقات.
 
الحصول على التمويل المتبقي فضلا عن دعم مالي مستقر لضمان استدامة تكاليف التشغيل لا يزال عائقًا أمام المضي في المشروع، وفقًا لسميث: ”يحتاج المشروع إلى 36 مليون دولار لم تتوفر كلها بعد، ومن المأمول أن نحظى بهذا التمويل حتى نستكمل العمل في فبراير من العام المقبل“.
 
تبلغ الموازنة التشغيلية السنوية للمركز 2.3 مليون دولار، ترتفع بشكل مطرد لتصل إلى نحو 5.3 ملايين دولار في عام 2017 عندما يبدأ العمل بشكل كامل.
 
تعليقًا على ضعف التمويل يقول سميث: ”كثير من الدول الأعضاء ترصد مبالغ متواضعة في موازنتها العلمية، كما أن دولا أعضاء تخفض مقدار التمويل بسبب التحديات غير المتوقعة التي تواجهها، كما حدث في باكستان نتيجة الفيضانات الكارثية مؤخرًا“.
 
وفي محاولة للتغلب على تحديات التمويل، فإن ”العمل جارٍ على  جذب أعضاء إضافيين، بمساعدة اليونسكو؛ لتوسيع القاعدة العلمية وتقاسم المنافع والعبء، ومن هذه الدول المغرب ودول الخليج العربي، وربما القوقاز وآسيا الوسطى، إلا أن التوترات السياسية تدفع بعض هذه الدول إلى التردد“، وفقًا لما قاله سميث.
 
 
 
هذا الموضوع أنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا