الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

  • دعوا الأنهار تجري

    Rehab Abd Almohsen

    31/08/17

نقاط للقراءة السريعة

  • السحب الجائر لمياه الأنهار، لأغراض الري، قد يعرض أنظمتها البيئية للخطر

  • يمكن التوفيق بين إنتاج الأغذية المروية والتدفقات البيئية

  • استنزاف موارد المياه العذبة أفضى إلى جفاف أنهار

[القاهرة] قالت دراسة حديثة إنه يمكن الحفاظ على مستويات إنتاج الأغذية اللازمة لتأمين قوت البشر من دون التأثير سلبًا على كمية المياه اللازم جريانها في مجاري الأنهار، أو ما يُعرف بالتدفق البيئي لها.

وقالت الدراسة إن الوفاء بمتطلبات التدفق البيئي يحمي النظم البيئية للأنهار، وهذا في حد ذاته يُعَد ضمانة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تنشدها الأمم المتحدة فيما يتصل بالماء والأمن الغذائي، محذِّرةً من أن الإضرار بهذه النظم قد يحول دون الوصول إلى الأهداف المنشودة.

وقد يؤدي الإخلال بمتطلبات التدفق البيئي -سواء كان بإقامة السدود أم تشييد القناطر أم بالاستخدام الجائر أو الخطأ عن طريق استنزاف ما- إلى موت الجسم المائي نفسه، ولهذا أمثلة معروفة.

ولعل جفاف الأنهار قبل وصولها إلى البحر يُعَد أبرز مظاهر الاستخدام الجائر للمياه، مثلما حدث لبعض الأنهار الكبيرة مثل ’هوانج‘ و’كلورادو‘ و’شبللي‘. ولقد فقد نهر ’أمو داريا‘ -الذي يغذي بحر ’آرال‘- مصادر مخزونه المائي، عندما وُجهت إلى زراعات القطن، كما أن ’النهر الأصفر‘ في الصين لم يكمل مساره إلى البحر لمدة سبعة أشهر كاملة عام 1997م.

ولطالما كانت السهول الخصبة لدلتا كثير من الأنهار- كتلك التي جفت- في يومٍ ما مراكز للإنتاج الزراعي الوفير، وحيثما تقف الأنهار عن الجريان، لا تتوفر للمزارعين مياه للري، فتنهار أعمالهم، ويفشل الإنتاج المحلي.

نتائج الدراسة تشير إلى أن 41% من استخدام المياه العذبة للري حاليًّا، والبالغ قرابة 100 مليون كيلومتر مكعب سنويًّا، يأتي على حساب متطلبات التدفق البيئي للأنهار.

من ثم، خلصت الدراسة إلى أن تحسين إدارة المياه المستخدمة في الري تحديدًا، سوف يفضي إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لكن الاستعمال الجائر في مكان ما، يعني حرمان مكان آخر من الماء.

كذلك فإن الدراسة المنشورة بدورية ’نيتشر كوميونيكشنز‘ في يوليو الماضي، وكان موضوعها ’التوفيق بين إنتاج الأغذية المروية وبين التدفقات البيئية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة‘، ربطت بين كميات المياه المستخدمة في ري الأراضي الزراعية المنتِجة للغذاء وما يتطلبه التدفق البيئي.

يوضح يوناس ييجرماير -الباحث الرئيس في الدراسة- أن ”التدفق البيئي هو الحد الأدنى المطلوب لتدفق النهر بشكل عادل ومن دون عوائق، مما يضمن الحفاظ على التوازن البيئي له خلال جريانه، وهو ما يتطلب نظام إدارة مياه خاصًّا لكل قطاع من النهر“، مشيرًا إلى أن حوض بحر الآرال يجسد المأساة، ويمثل الأنموذج لما يمكن أن يُحدثه الإنسان بشكل سريع من ضرر إذا ما تدخَّل في التدفق البيئي.

على نحو دقيق، فإن التدفق البيئي يرمز إلى كمية وتوقيت وجودة تدفقات المياه اللازم توافرها في مجرى مائي للحفاظ على نظام بيئي سليم. وقد حدث تغيير في تدفق أنهار العالم باطِّراد مقابل تلبية الاحتياجات المتفاوتة للمياه عن طريق بناء السدود والحواجز المائية التي تسحب كميات ضخمة من الماء اللازم للزراعة ولإعاشة المدن.

وقد أوضحت الدراسة حجم الضرر الذي تتعرض له النظم البيئية لأنهار العالم من خلال خرائط توضح حجم سحب البشر للمياه اليوم، ودرجة تقويض متطلبات التدفق البيئي للحفاظ على الطلب على هذه المياه، خاصةً في وسط وجنوب آسيا، وسهول شمال الصين، ومنطقة الشرق الأوسط، ومنطقة البحر المتوسط، ​​وأمريكا الشمالية.

تقول الدراسة إنه إذا ما أعيد تخصيص الأحجام المهولة من المياه الذاهبة للري إلى النظم البيئية، فإن نصف الأراضي الزراعية المروية عالميًّا سيواجه خسائر في الإنتاج تبلغ 10%، مع ما يتراوح بين 20 و30% من إجمالي الإنتاج الزراعي القطري، في غياب تحسينات إدارة المياه، خاصة في وسط وجنوب آسيا.

إلا أن تحسين ممارسات الري يمكن أن يعوِّض على نطاق واسع هذه الخسائر على أساس مستدام. يؤكد ييجرماير أهمية إدارة المياه، خاصةً في المناطق ذات الفقر المائي، ”لا سيما مياه الأمطار ذات الأهمية الخاصة لاستكمال تنفيذ أنظمة الري بفاعلية“.

ويستطرد ييجرماير: ”على سبيل المثال لا بد من الاهتمام بمياه الأمطار ووضع آليات لجمعها لتكون مصدرًا تكميليًّا للري، إلى جانب تخفيف التبخر الحادث للتربة، من خلال تغطيتها أو استخدام أساليب حراثة مناسبة“.

وعن منطقة الشرق الأوسط ، أكد ييجرماير أنها من بين النقاط الساخنة فيما يتعلق بانتهاكات ’متطلبات التدفق البيئي‘، ”غالبًا لأسباب تتعلق بالري وإنتاج الأغذية“.

وفيما يشيد محمد الحاج -أستاذ نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد، بكلية الأرصاد والبيئة وزراعة المناطق الجافة في جامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية- بالدراسة، يرى أن توصياتها ”صعبة التطبيق“.

ويتابع: ”في مصر على سبيل المثال يجري إعادة استخدام مياه الري تقريبًا بالكامل، ووصلت -في أبحاث قمت بها- إلى 80%، ولكن يبقى السؤال الأهم: ما جودة هذه المياه؟“.

يقول الحاج لشبكة SciDev.Net: ”مع غياب معايير السلامة والرقابة تُستخدم المياه بحالتها دون تنقيتها“، وهو ما يهدد ’التدفق البيئي للنهر‘ وجودة مياهه، مشيرًا إلى ضرورة المراقبة على نسب التلوث ومدى صلاحية الماء؛ ”فالملوثات كلها تتجمع في النباتات“.

من جانبه يتفق باسكوال ستيدوتو -المدير التنفيذي للمبادرة الإقليمية المعنية بندرة المياة في منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة- مع ما جاء في الدراسة من حيث الإطار المفاهيمي والأساس المنطقي، ويقول: ”ولكنها ربطت بشكل صارم بين كفاءة الري والحفاظ على المياه، بينما يمكن الحفاظ على المياه من خلال تقليل الهدر في الطعام، وهو ما نطلق عليه تحسين إنتاجية الماء“.

ويشرف ستيدوتو على مشروع ’تنفيذ جدول أعمال 2030 لضمان كفاءة وإنتاجية واستدامة المياه في بلدان منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا‘ تقوم به المنظمة بالتعاون مع الوكالة السويدية للتنمية الدولية، بهدف الإسهام في تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة في كلٍّ من الجزائر، ومصر، وإيران، والأردن، ولبنان، والمغرب، وفلسطين، وتونس.

يؤكد ستيدوتو: ”علينا إعطاء أولوية لمشروعات المياه في المنطقة ذات الصلة بأهداف التنمية المستدامة، وفي هذا الإطار المحدد نستطيع الانطلاق لتحقيق باقي الأهداف، ومنها الأمن الغذائي وغيرها“.

هذا الموضوع أُنتج عبر المكتب الإقليمي لموقع SciDev.Net بإقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.